الرئيسيةآخر الأخباركيف فقدت الأسر التونسية نحو 21 بالمئة من قدرتها الشرائية خلال...

كيف فقدت الأسر التونسية نحو 21 بالمئة من قدرتها الشرائية خلال ثلاث سنوات فقط

اختتم الاقتصاد التونسي سنة 2025 على وقع تضخم بلغ 5.3%، وهو مستوى مرتفع بوضوح مقارنة بمعدلات التضخم لدى أهم الشركاء التجاريين لتونس، وعلى رأسهم الصين (1%)، الاتحاد الأوروبي (2.4%)، الجزائر (1.8%)، ليبيا (2.6%)، والمغرب (1%)، وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء والرسوم البيانية الرسمية.

ويطرح هذا الفارق الواسع سؤالًا جوهريًا: هل يخسر البنك المركزي التونسي معركته ضد التضخم؟ ولماذا نجحت اقتصادات قريبة وبعيدة عن تونس في السيطرة على الأسعار، بينما لا تزال الضغوط التضخمية مرتفعة محليًا رغم التشدد النقدي؟

تضخم مرتفع في اقتصاد هش اجتماعيًا

يُعدّ تضخم بنسبة 5.3% مرتفعًا جدًا بالنسبة لاقتصاد مثل تونس، حيث:

  • لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 500 دينار شهريًا،
  • تبلغ نسبة الفقر 18%،
  • تصل بطالة الشباب إلى 40%،
  • ولا يتجاوز الدخل السنوي للأسرة 8,535 دينارًا (أي نحو 700 دينار شهريًا).

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي التونسي المقيم بأستراليا العربي بن بوهالي أن التضخم لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحوّل إلى أزمة معيشية مباشرة تمسّ السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.

لا يمكن تقييم الوضع التضخمي بمعزل عن تطور الأسعار خلال السنوات الأخيرة. فقد:

  • بلغ التضخم 9.3% سنة 2023،
  • ثم 7% في 2024،
  • ثم 5.3% في 2025،

وهو ما أدى إلى فقدان الأسر التونسية نحو 21% من قدرتها الشرائية خلال ثلاث سنوات فقط، مع تسجيل تضخم غذائي بلغ 15% في ذروته.

ويشير بن بوهالي إلى أن الغذاء يشكّل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر ذات الدخل الضعيف والمتوسط، ما يجعل أثر التضخم أكثر قسوة من الأرقام الرسمية.

تشدد نقدي مرتفع… ونتائج محدودة

رغم هذا الوضع، أبقى البنك المركزي التونسي على:

  • سعر فائدة رئيسي عند 7.5%،
  • سعر تونيبور Tunibor عند 9.21%،
  • وسعر فائدة لليلة واحدة عند 8%،

لكن النتيجة كانت، حسب الخبير:

  • انخفاض الاستهلاك بفعل غلاء القروض،
  • تراجع الاستثمار نتيجة ارتفاع كلفة التمويل،
  • مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.

وفي الوقت نفسه، قامت الحكومة بفرض:

  • زيادات ضريبية بنسبة 8% في 2024،
  • و12% في 2025،

وهو ما عمّق الضغط على الطلب والاستثمار دون أن ينجح في كبح التضخم.

الأسباب الهيكلية لارتفاع التضخم في تونس

1. التضخم النقدي

يرى بن بوهالي أن الاعتماد على الذات كما طُبّق عمليًا، أدى إلى:

  • عجز مزمن في الميزانية،
  • اقتراض نحو 14 مليار دينار من البنك المركزي،
  • واستنزاف سيولة الجهاز المصرفي،

ما رفع المعروض النقدي (M2 وM3) إلى 12% في 2024 و2025، وهو ما انعكس مباشرة على تضخم أسعار الغذاء والخدمات.

2. الزيادات الضريبية

أصبحت تونس، وفق تقديره، من أعلى الدول الإفريقية من حيث الضغط الجبائي سنة 2025.
وقد ساهمت الضرائب المرتفعة في:

  • رفع كلفة الإنتاج،
  • تمرير الزيادات إلى المستهلك،
  • وتسريع التضخم، خاصة في المواد الغذائية.

3. اضطراب منظومات التوزيع الغذائي

في إطار مكافحة الفساد واحتكارات الغذاء، أغلقت الحكومة شركات تخزين، ما:

  • أجبر تجار الجملة على الاعتماد على التوريد اليومي،
  • تسبب في نقص حاد في الخضر والغلال،
  • ورفع التضخم الغذائي إلى 15% خلال 2024 و2025.

وقد بلغ سعر الموز 18 دينارًا للكيلوغرام، واضطرت تونس إلى استيراد البطاطا لتغطية حاجيات السوق.

4. هيمنة القلة الاقتصادية

يعتمد الاقتصاد التونسي بنسبة 77% على استهلاك الأسر، بينما تهيمن شركات كبرى قليلة على:

  • التوزيع الغذائي،
  • التمويل البنكي،
  • وسلاسل القيمة الأساسية،

وهو ما يمنحها قدرة على تحديد الأسعار وحماية هوامش أرباحها، حتى في فترات ضعف الطلب.

5. الاقتصاد الموازي والاقتصاد النقدي

يشكّل الاقتصاد غير الرسمي نحو 35% من الاقتصاد الوطني، مع تداول سيولة نقدية تناهز 26.5 مليار دينار خارج المنظومة البنكية، وارتفاع المعروض النقدي (M1) بنسبة 13% في 2025، ما يغذي التضخم لفترة أطول.

هل أخطأ البنك المركزي؟

يؤكد العربي بن بوهالي أن الاعتماد الحصري على سعر الفائدة أداة غير فعالة في السياق التونسي الحالي، داعيًا إلى استخدام أدوات نقدية أكثر تنوعًا ومرونة.

كيف يمكن خفض التضخم في 2026؟ – مقترحات عملية

  1. استلهام تجربة سنغافورة
    عبر إدارة السياسة النقدية من خلال مؤشر سعر الصرف المرجّح بالتجارة بدل التركيز على الفائدة قصيرة الأجل، بهدف تثبيت التضخم المتوقع ودعم النمو.
  2. دعم الإنتاج الغذائي مباشرة
    من خلال شراء البنك المركزي ديون ديوان الحبوب من البنك الوطني الفلاحي، وتمويل الفلاحين بفوائد منخفضة.
    وتبلغ ديون مكتب الحبوب والفنادق مجتمعة نحو 9 مليارات دينار.
  3. اعتماد مقايضات عملات
    مع الجزائر والصين لتقليص العجز التجاري، دعم الاحتياطي من العملة الصعبة، والحد من التضخم المستورد.
  4. تحسين موقع الدينار التونسي مقابل الدينار الجزائري
    برفع قيمته بنحو 5%، ما قد يقلّص عجز الطاقة بنحو 200 مليون دينار.
  5. إصلاح جبائي شامل
    عبر خفض ضرائب الشركات، تبسيط النظام الجبائي، وجذب استثمارات كبرى قادرة على خفض كلفة الإنتاج والأسعار.
  6. إعادة تنظيم أسواق الجملة
    والسماح بتخزين الخضر والغلال لمعالجة النقص الموسمي والحد من التضخم الغذائي في 2026.
  • إصلاحات هيكلية،
  • سياسة نقدية مبتكرة،
  • سياسة جبائية محفزة،
  • واستعادة التوازن في منظومات الإنتاج والتوزيع.

من دون ذلك، سيبقى التضخم مرتفعًا، حتى وإن تباطأ، وستواصل الأسر التونسية دفع الكلفة الأكبر.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!