أكد الباحث التونسي ومدير مركز جينيف للسياسة العربية، الدكتور سامي الجلولي أن تونس تمتلك واحدة من أهم الثروات الاستراتيجية في العالم، تتمثل في ما وصفه بـ«الذهب الأبيض»، مشيرًا إلى أن الاحتياطات الحالية من الفسفاط، خاصة إذا ما أُضيفت مناجم السراورتان بولاية الكاف، تكفي لضمان إنتاج يناهز 10 ملايين طن سنويًا لمدة تقارب ألف سنة، وهو ما يمثل – بحسب قوله – ضمانًا سياديًا لتونس لعشرة قرون قادمة.
وأوضح جلولي أن التحولات التكنولوجية العالمية جعلت الفسفاط يتجاوز دوره التقليدي كسماد زراعي، ليصبح عنصرًا أساسيًا في صناعات استراتيجية متقدمة، على غرار بطاريات الليثيوم فوسفات الحديد (LFP) المستخدمة في السيارات الكهربائية، إضافة إلى دخوله بقوة في الصناعات الدقيقة، والإلكترونيات، ومواد التنظيف، ومعالجة وتنقية المياه.
وأضاف الباحث أن مشتقات الفسفاط باتت كذلك مكوّنًا حيويًا في الصناعات الصيدلانية والغذائية المتطورة، وفي صناعة الصلب والصناعات المقاومة للحرائق، ما يفرض – حسب تعبيره – مراجعة جذرية للسياسات الحالية المعتمدة في استغلال هذه الثروة.
ودعا جلولي إلى القطيعة مع نموذج تصدير الفسفاط كمادة خام بأسعار زهيدة، واقتراح اعتماد ما سماه بـ**«النموذج السويسري»** القائم على تعظيم القيمة المضافة، مستشهدًا بتجربة سويسرا التي لا تنتج الكاكاو لكنها تهيمن عالميًا على صناعة الشوكولاتة بفضل الاستثمار في المعرفة والموارد البشرية.
وشدد على ضرورة دعم الشركات التونسية الناشئة (Startups) المختصة في تكرير وتحويل الفسفاط محليًا، واستغلال التكنولوجيا الحديثة لاستيراد بعض المعادن غير المتوفرة محليًا ودمجها مع الفسفاط لإنتاج بطاريات الجيل الجديد، معتبرًا أن الأرباح ستكون مضاعفة في التحويل الأولي، وقد تبلغ عشرات الأضعاف في التحويل التكنولوجي المتقدم.
ويرى الباحث أن تونس قادرة، اعتمادًا على الفسفاط فقط، على تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة، وتمويل مشاريع كبرى تشمل الطرقات السيارة، والسكك الحديدية، والموانئ الذكية البحرية والجوية، فضلًا عن تعزيز موقعها كدولة ذات سيادة اقتصادية حقيقية.
وفي ختام تحليله، عبّر جلولي عن تفاؤله استنادًا إلى توفر الخبرات التونسية المتراكمة، مؤكدًا أن نجاح تونس في صناعات الكابلات ومكونات الطائرات والسيارات وأنظمة الملاحة دليل واضح على كفاءة المهندس التونسي، إلى جانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي القريب من أوروبا، أكبر سوق واعدة للسيارات الكهربائية.
وختم بالقول إن تونس تمتلك فرصة تاريخية نادرة، بفضل القرب من أوروبا، والاستقرار النسبي، والطاقات الشبابية، معتبرًا أن البلاد قادرة على التحول من دولة تُبخّس منتجاتها إلى دولة تُثمّن ثرواتها، تحت شعار واحد:
«انتج في تونس».

