الوثيقة التي أعددها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية تحت عنوان
“سياسة مكافحة اقتصاد الريع في تونس: نحو نمو مستدام وشامل” (أكتوبر 2025)
هي دراسة استراتيجية موجهة إلى رئاسة الجمهورية، أعدّتها الباحثة هالة بن حسين خلادي، وتتناول تشخيصًا دقيقًا لظاهرة اقتصاد الريع في تونس وآثارها على النمو والعدالة الاجتماعية، مع تقديم خطة وطنية للإصلاح.
أهم ما جاء فيها باختصار:
- تشخيص الوضع:
- أكثر من 50% من الاقتصاد التونسي يخضع لآليات ريعية (رخص، احتكارات، إعفاءات، تدخلات إدارية).
- هذه الرّيعيات تضعف المنافسة وتعمّق التفاوتات وتعيق الابتكار والنمو.
- الرّيع يتخذ أشكالًا: مالية، عقارية، مؤسساتية، وسياسية.
- القطاع العام الكبير والبيروقراطية المعقّدة يشكلان بيئة حاضنة للريع.
- الآثار:
- خسارة إنتاجية بنحو 5% سنويًا، مع إمكانية خلق 50 ألف وظيفة إضافية لو تم إصلاح المنظومة.
- إفقار متزايد للطبقة الوسطى وتوسّع الفوارق الاجتماعية.
- انخفاض الابتكار والاستثمار المنتج مقابل هيمنة النشاطات غير المجدية اقتصاديًا.
- أبرز العوائق:
- ضعف تطبيق قوانين المنافسة.
- احتكار قطاعات رئيسية (الطاقة، النقل، البنوك، البناء…).
- غياب الشفافية في الصفقات العمومية وتوزيع الامتيازات.
- فساد إداري وزبونية سياسية واقتصادية.
- المحاور الإستراتيجية للإصلاح:
- تعزيز المنافسة: تقوية مجلس المنافسة، إنهاء الاحتكارات، منع الاستثناءات القانونية للكارتلات.
- إصلاح النظام الجبائي: إلغاء الامتيازات غير المبررة، فرض ضرائب تصاعدية على الريع العقاري، مكافحة التهرب.
- توجيه الاستثمار نحو القيمة المضافة: تبسيط الإجراءات، تركيز الحوافز على القطاعات المبتكرة والمناطق المهمّشة.
- حوكمة وشفافية: نشر بيانات مالية مفتوحة، رقابة مستقلة على الصفقات، مشاركة المجتمع المدني في المتابعة.
- إصلاح بنكي وتمويلي: ضمان وصول عادل للتمويل للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، تفكيك علاقات النفوذ بين البنوك والمجموعات الكبرى.
- رقمنة الإدارة: اعتماد المنصات الإلكترونية لتقليص الفساد وتسريع المعاملات.
- إصلاح سوق العقار: شفافية في الأسعار، ضرائب على المضاربة، رقمنة السجل العقاري.
- تطوير رأس المال البشري: ربط التعليم والبحث بالقطاعات المنتجة ومحاربة “ريع الشهادات”.
- التجارب المقارنة:
- تشيلي: اعتمدت الشفافية الكاملة في الصفقات العمومية عبر بوابة “ChileCompra”.
- رواندا: أنشأت مناطق اقتصادية مفتوحة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
- المغرب: أعاد تنظيم القطاع البنكي لكسر الريع المالي.
اقتصاد الريع يضرب بنية الاقتصاد الوطني في عدد من القطاعات الحيوية التي تُعدّ محركات أساسية للنمو والاستثمار. وقد حدد التقرير هذه القطاعات كما يلي:
- قطاع الطاقة والمحروقات:
- من أكثر القطاعات تأثرًا بالريع بسبب منظومة الامتيازات والرخص الحصرية.
- شركات محدودة تتمتع بعقود استغلال طويلة الأمد دون منافسة حقيقية.
- غياب الشفافية في تسعير المواد البترولية وفي عقود الشراكة مع القطاع الخاص.
- قطاع النقل واللوجستيك:
- تحكم مجموعات اقتصادية صغيرة في خدمات النقل البحري والبري والجوي.
- استمرار الاحتكارات في النقل العمومي والموانئ والتراخيص الخاصة بشركات النقل الثقيل.
- ضعف المنافسة يرفع الكلفة ويؤثر على حركة الصادرات والواردات.
- القطاع المالي والبنكي:
- سيطرة بضعة بنوك خاصة على التمويل والاستثمار، مع علاقات متشابكة بين المال والسياسة.
- المؤسسات الصغرى والمتوسطة تعاني من الإقصاء الائتماني بسبب غياب الشفافية في منح القروض.
- تركّز القروض في يد عدد محدود من المجموعات الاقتصادية.
- القطاع العقاري:
- أحد أبرز مجالات الريع، بسبب المضاربة في الأراضي واحتكار التهيئة العقارية.
- تضخّم الأسعار نتيجة قلة العرض المقنّن، واستفادة أصحاب النفوذ من تراخيص البناء والتهيئة.
- ضعف الرقابة الجبائية على الأرباح العقارية.
- قطاع البناء والأشغال العمومية:
- احتكار عدد محدود من الشركات الكبرى للصفقات العمومية عبر شبكات نفوذ.
- فساد إداري في منح العطاءات وغياب المنافسة النزيهة.
- قطاع الفلاحة والتجارة الغذائية:
- منظومة تراخيص التوريد والتصدير خلقت شبكات مصالح تتحكم في الأسعار والأسواق.
- بعض الامتيازات تُمنح على أساس الولاءات السياسية لا الجدوى الاقتصادية.
- قطاع الاتصالات:
- تركّز السوق في يد فاعلين محدودين، ما يمنع المنافسة الكاملة ويؤثر على الأسعار وجودة الخدمات.
- القطاع السياحي:
- استفادة فئة محدودة من الامتيازات الجبائية والعقارية دون مردود استثماري حقيقي.
- غياب الشفافية في التصرف في الأراضي السياحية والرخص.
ويخلص التقرير إلى أنّ اقتصاد الريع في تونس ليس ظاهرة قطاعية معزولة، بل منظومة متكاملة تربط بين المال والقرار الإداري والسياسي، ما يجعل محاربته مشروعا وطنيا يتطلب شجاعة سياسية وتنسيقًا مؤسساتيًا.

