شهدت إيطاليا خلال الساعات الأخيرة تطورًا سياسيًا بارزًا، بعد أن أسفر الاستفتاء الدستوري الذي دعت إليه حكومة جورجيا ميلوني عن تصويت ساحق بـ”لا”، في أول هزيمة شعبية مباشرة للحكومة منذ توليها السلطة.
ما هي الحكاية؟
الاستفتاء تمحور حول مشروع تعديل دستوري يخص السلطة القضائية، وتحديدًا مسألة الفصل بين مساري القضاة (القضاء الجالس) وأعضاء النيابة العمومية، وهو ما يُعرف في إيطاليا بـ separazione delle carriere أي “الفصل بين مسار النيابة العمومية ومسار القضاء الجالس”. كما تضمن المقترح إحداث مجلس أعلى ثانٍ للقضاء، إلى جانب المجلس الحالي.
الحكومة اعتبرت أن هذا الإصلاح ضروري لتعزيز استقلالية القضاء وتحسين أدائه، في حين رأت المعارضة أن المشروع قد يمسّ بوحدة السلطة القضائية ويهدد توازنها.
ماذا حدث؟
الناخبون الإيطاليون صوّتوا بكثافة ضد المشروع، وبفارق واضح، ما شكل مفاجأة نسبية، خاصة أن حكومة ميلوني ما تزال تتصدر استطلاعات الرأي منذ وصولها إلى الحكم.
كيف تُقرأ هذه النتيجة؟
هناك قراءتان أساسيتان لما جرى:
1. قراءة سياسية:
يرى جزء من المراقبين أن التصويت بـ”لا” هو في جوهره تصويت ضد حكومة ميلوني نفسها، وليس فقط ضد مشروع التعديل.
هذا التوجه يستحضر ما حصل في فرنسا مع شارل ديغول، حين اعتُبر الاستفتاء مقياسًا مباشرًا لشعبية الحاكم.
وبالفعل، بدأت قوى معارضة في الدعوة إلى استقالة الحكومة، مع تنظيم تحركات احتجاجية.
2. قراءة قانونية/مؤسساتية:
في المقابل، يرى آخرون أن الإيطاليين صوّتوا على نص قانوني تقني بحت، وأن الاستفتاء لا يعكس بالضرورة موقفًا من أداء الحكومة.
وفق هذا الرأي، تبقى شرعية الحكومة مرتبطة بالانتخابات التشريعية، لا بالاستفتاءات.
لماذا يرفض الإيطاليون تعديل الدستور؟
هذه النتيجة تعزز اتجاهًا تاريخيًا في إيطاليا، حيث يُظهر الناخبون تحفظًا كبيرًا تجاه أي تعديل دستوري.
ففي عام 2016، رفض الإيطاليون مشروعًا مماثلًا تقدم به رئيس الحكومة آنذاك ماتيو رينزي، وكان يهدف إلى تقليص صلاحيات مجلس الشيوخ وتبسيط العملية التشريعية.
ويربط كثيرون هذا الحذر بالإرث التاريخي لفترة الحكم الفاشي في إيطاليا، حين تم التلاعب بالدستور لترسيخ نظام استبدادي، وهو ما جعل المجتمع الإيطالي شديد الحساسية تجاه أي تغييرات دستورية.
النتيجة لا تعني بالضرورة سقوط حكومة ميلوني فورًا، لكنها تمثل ضربة سياسية مهمة، وقد تعيد رسم موازين القوى داخل المشهد السياسي الإيطالي.
الأيام القادمة ستكون حاسمة، خاصة مع تصاعد ضغط المعارضة ومحاولة الحكومة احتواء تداعيات هذه الهزيمة.

