أسفرت انتخابات الهيئة الوطنية للمحامين التي أنجزت في العاشر من جويلية الجاري عن فوز المحامي عامر المحرزي بلقب عميد المحامين للسنوات الثلاث المقبلة خلفا لمحمد الفاضل محفوظ. وقد ورد اسم العميد الجديد على رأس قائمة أعدتها حركة النهضة لدعمه في الانتخابات، ما أدى الى اثارة جدل واسع وخلف ردود أفعال مختلفة وتخوفا من دخول مهنة المحاماة دائرة التجاذبات السياسية.
وقد جاء في تصريحات اعلامية لعدد من المحامين اثر الاعلان عن نتائج الانتخابات أن هناك سعيا محموما من قبل بعض الأحزاب السياسية للتغلغل في الهياكل المهنية للمحاماة. أما المرشح الخاسر في هذه الانتخابات بوبكر بالثابت فقد أعلن صراحة عن ان حركتي «النهضة» و«نداء تونس» وبعض التجمعيين تدخلوا في العملية الانتخابية لفائدة منافسه الفائز بفارق هام أمام بقية المترشحين. ما جعل النتيحة تحسم من الدورة الاولى وعدم المرور الى الدورة الثانية.
واعتبارا الى اطار ترشح عامر المحرزي على رأس قائمة يمكن وصفها بالنهضاوية فان الأمر اثار عديد التساؤلات من داخل صفوف أهل المهنة ومن خارجها. وأهم هذه التساؤلات تحوم حول أبعاد التحالف بين حركتي النهضة ونداء تونس وكذلك نوايا حركة النهضة من محاولة افتكاك المنظمات الوطنية وان ترمي من ورائها السيطرة تدريجيا على المجتمع التونسي. وهي التي افتكت في مناسبة فارطة المنظمة الفلاحية بينما مازالت تحاول افتكاك الاتحاد الوطني للمرأة التونسية.
من جهتنا حاولنا ايجاد اجابة او على الاقل قراءة لما يدور. وفي هذا الاطار اتصلنا بالجامعي والمختص في علم الاجتماع الاستاذ جلال التليلي الذي أشار من البداية الى ضرورة التذكير بأن العميد الجديد لهيئة المحامين هو تجمعي سابق وان حركة «النهضة» لا ولن تتوانى عن دعم اي طرف مستعد لخدمة مصالحها او يكون ضمن زمرة الاكثر زبونية.
وهذه الحركة وفق محدثنا لمن لا لون ولا طعم سياسي لهم ولا ايديولوجيا ولا مواقف تلزمهم. وبالتالي تحاول كسب الانتهازيين بكل اصنافهم ولا سيما حسب واقع الحال المتساقطين من المنظومة القديمة. وبهذه الطريقة تكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد. فمن ناحية تخلق نوعا من الحزام الثقافي والحقوقي والسياسي من حولها. ومن ناحية اخرى تحطم السياسيين اليساريين وتحرمهم من الوصول الى مواقع مدنية وفي المنظمات. وقد وجدت في التجمعيين القدامى حليفا لها في هذه الاستراتيجية.
والأدهى من ذلك كما يضيف التليلي أن حزب حركة نداء تونس قد ذهب مع حركة «النهضة» الى أقصى أبعاده، اذ تجاوز التحالف التكتيكي الظرفي الى تحالف استراتيجي تخطى المجال السياسي في الحكومة والبرلمان الى المجال المدني والمنظمات الوطنية والدور آت وفق محدثنا على المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف.
وأرجع هذا التخمين الى ما وجده الرباعي الراعي للحوار الوطني اثر حصوله على جائزة نوبل من صدى دولي كبير ما يجعل حركة النهضة تتحرك في اتجاه الاستثمار في هذه المنظمات الوطنية من أجل تحقيق مخططات استراتيجية ومن أهمها السيطرة على مفاصل البلاد والمجتمع المدني الذي قام بدور حاسم وريادي منذ 2011 الى اليوم.
وبالرجوع الى الحديث عن مسألة التحالف بين «النهضة والنداء» والتجمعيين القدامى قال التليلي ان النهضة هي اكبر المستفيدين من هذه التحالفات سواء استراتيجيا او تكتيكيا. في المقابل اكبر الخاسرين هم اليساريون والتقدميون وذلك بسبب غرق هذه القوى في الخلافات الهامشية، ما لم يمكنها من استثمار الطاقات النخبوية والفكرية والمدنية لخلق كتلة تاريخية بالمعنى «القرامشي» للحفاظ على مكتسبات الجمهورية وحمايتها من الارتداد والنكوث الاخواني السلفي.
واستحضر في هذا الصدد التجربة التركية الماثلة أمامنا فالرئيس التركي اردوغان كمثال اخواني يحاول ان يكون ديمقراطيا في الشكل الا انه سلفي في المضمون. وهذا ما يسمى في الأدبيات الاخوانية بفقه التدرج. ليضيف ان حركة النهضة في بلادنا لو تتحصل على الاغلبية المدنية والبرلمانية والسياسية فانها لن تتوانى على الارتداد الذي يهدد كل المكاسب المدنية وفي مقدمتها حقوق المرأة وحرية الصحافة.
وبالتالي خلص جلال التليلي الى ان هناك خطرا كبيرا يتهدد تونس جراء التحالف النهضاوي الندائي الذي اصبح اخطر مما هو متصور لانه بدأ يمتد ويأكل المحيط النخبوي والمدني والثقافي علاوة على المحيط السياسي والنتيجة دائما لفائدة حركة النهضة ويخدم امتدادها في المجتمع التونسي الذي تحلم بالسيطرة عليه.
المصدر – الصحافة اليوم

