في ظل تفاقم البطالة وتراجع الآفاق الاقتصادية، يجد آلاف الشباب التونسي أنفسهم أمام حلم الهجرة كخيار شبه وحيد لتحسين أوضاعهم. هذا الحلم المشروع تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أرض خصبة لنشاط شبكات التحيل، التي احترفت بيع “الوهم” تحت غطاء عقود عمل بالخارج، مستغلة هشاشة الوضع الاجتماعي والنفسي لفئة واسعة من الباحثين عن فرصة.
القضية الأخيرة التي كشفتها الوحدات الأمنية بمنطقة تونس المدينة، بعد الإطاحة بصاحب وكالة أسفار تورّط في سلب أموال عشرات المواطنين، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من عمليات الاحتيال المنظم. حيث اعتمد المتهم على وعود كاذبة بعقود عمل في دول الخليج، متسلحًا بخطاب الإقناع وادعاء امتلاك علاقات ونفوذ، ليتمكن من جمع مبالغ مالية هامة قبل أن يختفي.
هذه الأساليب لم تعد معزولة أو فردية، بل أصبحت نمطًا متكررًا، تؤكده الأرقام الرسمية. فقد أعلن رياض شود أن الوزارة أحالت 21 شكاية سنة 2024 و51 شكاية سنة 2025 ضد مراكز عشوائية تنشط في نفس المجال، في مؤشر واضح على اتساع الظاهرة وتحوّلها إلى نشاط ممنهج.
بطالة تُغذّي الوهم
تشير المعطيات إلى أن نسب البطالة المرتفعة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات، تُعد العامل الرئيسي الذي تستند إليه هذه الشبكات. فحين تضيق الخيارات داخل البلاد، يصبح أي عرض للعمل بالخارج—even وإن كان غامضًا—قابلًا للتصديق. وهنا يتدخل “تجّار الأوهام” لملء هذا الفراغ، مستغلين ضعف التثقيف القانوني وقلة الوعي بالإجراءات الرسمية.
آليات التحيل: من الإغراء إلى الاختفاء
تعتمد هذه الشبكات على أساليب مدروسة تبدأ بالإعلانات المغرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تنظيم مقابلات شكلية داخل مكاتب أو وكالات، قبل طلب مبالغ مالية تحت مسميات مختلفة: “تسبقة”، “معاليم ملف”، أو “تذاكر سفر”. وفي أغلب الحالات، يكتشف الضحايا الحقيقة بعد فوات الأوان، حين تُغلق المكاتب ويختفي أصحابها.
تصنيف هذه العمليات لم يعد يقتصر على التحيل المالي فقط، بل بات يُطرح في خانة الجرائم الخطيرة، حيث وصفها وزير التشغيل بـ”عمليات الاتجار بالبشر”، في إشارة إلى خطورة استغلال حاجات الأفراد وتوجيههم نحو مسارات مجهولة قد تنتهي أحيانًا بظروف استغلالية في الخارج.
رغم تأكيد السلطات على تكثيف الرقابة والتنسيق بين الوزارات، ودعوة الشباب إلى التثبت من العروض عبر القنوات الرسمية، إلا أن الواقع يبيّن أن هذه الإجراءات لم تبلغ بعد مستوى الردع الكافي، خاصة مع تطور أساليب التحيل وسرعة انتشارها.

