قال الأستاذ جلال التليلي المختص في علم الاجتماع السياسي في حوار نشرته جريدة الصحافة اليوم اليوم الجمعة أن المطالبة باعادة توطين الارهابيين العائدين من بؤر التوتر لم تنبع من خيارات وطنية ومن مجتمع مدني داخلي محلي بقدر ما هي مفروضة ونابعة من ضغوطات خارجية لمصلحة المجتمعات والدول الأوروبية والغربية بصفة عامة ويرجع ذلك لمصلحة هذه الدول في توطين الارهاب والعائدين من بؤر التوتر في بلدانهم الأصلية لتجنب ما حصل في السابق من عودة الارهابيين من أفغانستان في حربها ضد الروس وتوطين بعضهم في انقلترا وفي بلدان غربية أخرى وأمريكا وكندا وغيرها. وقد بينت عديد الدراسات أن قادة الارهاب سواء تنظيم داعش أو غيره من التنظيمات الارهابية كانت لهم تجارب في حرب أفغانستان وأنهم على عكس ما يروجونه في أول الأمر أنهم لم يكونوا قاطنين بمجتمعاتهم الأصلية بقدر ما كانوا قاطنين في مجتمعات غربية، احتضنتهم ووفرت لهم المال والجمعيات.
وبالتالي تاريخ الارهاب بين أن مؤسسيه وقادته الكبار كانو يعيشون في البلدان الغربية ولم يكونوا مستقرين في بلدانهم الأصلية ومنهم من كان في سجن غوانتانامو. فمثلا أنقلترا وغيرها من البلدان الغربية وفرت لهؤلاء غطاء مدنيا وغطاء جمعياتيا اعتقادا منها ان ذلك يدخل في إطار إعادة ادماجهم.
عملية معقدة
وبالعودة الى الأسباب والعوامل المؤدية الى الارهاب والتطرف الديني أوضح الأستاذ التليلي أنها معقدة ما يجعل اعادة الادماج عملية هي الأخرى صعبة جدا ومعقدة وليست مضمونة النتائج. وبالتالي لو عاد هؤلاء الارهابيين وتم ادماجهم في المجتمع من حيث التشغيل واعادة الادماج الديني والادماج الاجتماعي والعائلي فان ذلك لا يضمن البتة عدم عودتهم الى الممارسة الارهابية وكل الدراسات حسب المتحدث بينت ذلك فمن تعلقت بهم عقوبات مادية أو ادمجوا في مرحلة أولى في بلدان غربية أو حتى في بلدانهم الأصلية مثل السعودية، هم من واصلوا التطرف وواصلوا الارهاب.
وبالعودة الى بلادنا أوضح المتحدث أن المشكل الأكبر هنا أن السياق التونسي بما فيه من تناقضات حالية، ربما عكس ما يظن البعض، يشجع على التطرف وخاصة التطرف الديني، على اعتبار أن حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتعمق الأزمة السياسية والأزمة الثقافية بما أن البلاد تعيش مرحلة انتقالية من تردي القيم وعدم وضوح الرؤية، يسهم في تشجيع التطرف والارهاب وخاصة في مستوى عامل الاسلام السياسي.
فهذا «الاسلام» في تونس الذي تمثله أساسا حركة النهضة وهي نفسها تعاني أزمة، من خلال خطابها المزدوج الذي يراوح بين تبني الحداثة والدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة وفصل الدعوي عن السياسي وبين تشبث قواعدها خاصة بالمشروع الاخواني للاسلام السياسي من دمج الدين بالدولة. وهذا في الحقيقة يصعّب ربما على الاسلام السياسي وعلى حركة النهضة التأثير في العائدين من بؤر التوتر وادماجهم في قواعدها وربما في «أنفاقها» القاعدية من مساجد ومؤسساتها القاعدية والوسطى.
وفي تونس يضيف الأستاذ التليلي نعرف ان عديد القواعد غاضبة على الحركة وربما استعملتها أطراف سياسية أخرى كمخزون انتخابي وحتى سياسي كالتيار الديمقراطي وحراك تونس الارادة وبالتالي كل المؤشرات تبين صعوبة ادماج هؤلاء العائدين من بؤر التوتر.
ظروف صعبة
فالظروف العامة في البلاد تستوجب التصدي للطلب الموجه اليها من الأطراف الدولية والبلدان الغربية لاعادة توطين الارهابيين العائدين من بؤر التوتر. كما تستوجب تنظيم حوار وطني وتوفير الشروط الضرورية والقيام باصلاحات في المستوى التربوي والديني من الداخل. فالبعض ممن لم تتعلق بهم جرائم قتل أو جرائم تورط في حمل السلاح أو المشاركة في عمليات ارهابية فربما يتم النظر في ادماجهم ولكن يجب ان يكون ذلك تحت المراقبة الأمنية.
وما لا يجب اغفاله حسب الأستاذ التليلي أن تونس على أبواب أزمة قد تؤدي الى انفجارات شعبية كبرى خاصة في الأشهر القادمة وهو ما يدعو الى عدم استجابة بلادنا لطلب اعادة توطين الارهابيين فيها الذي لا ينبع من ارادة وطنية أو مجتمع مدني محلي بل نابع من ضغوطات أجنبية ذلك أن البلدان الأوروبية متخوفة من الهجرة التي عندما تكون جماهيرية يتسرب فيها الارهابيون والمتطرفون. والدليل على ذلك كما يضيف المتحدث أن عديد المتورطين في عمليات ارهابية في أوروبا نسبة كبيرة منهم هم متسربون في موجات الهجرة السرية أو غير الشرعية.
وعلى ضوء ذلك مرت البلدان الغربية الى محاولة اقامة جدار ثان في وجه الهجرة، خاصة الهجرة الارهابية مثلما أقامت اسرائيل جدارا وكذلك أمريكا التي قررت اقامة جدار مع المكسيك. فالبلدان الغربية حينئذ تريد اقامة جدار حول الارهاب. مع العلم ان ما لا يجب اغفاله هو أن هذه البلدان لها مسؤولية كبرى في رعاية الارهاب، وفي جزء كبير هي تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية ومدنية كما أن جزءا من الارهاب هو صنيعة البلدان الغربية وعليها أن تتحمل النتائج في ذلك.
وفي هذا الاتجاه أكد الأستاذ جلال التليلي أن هذه البلدان هي الأقدر على إعادة توطين الارهابيين نظرا لما تتوفر عليه من امكانيات تفتقدها بلادنا سواء أمنيا أو مؤسساتيا أو ماديا إذ يكفي تونس ما تكبدته من مصاريف بسبب المتمتعين بالعفو التشريعي العام اذ اثقلوا كاهل ميزانيتها وتسببوا في تأزيم وضع صناديقها الاجتماعية واليوم هذه الأطراف الأجنبية تطالبها بميزانيات وتبعات وأعباء اضافية.
ومن هذا المنطلق أكد المتحدث على ضرورة الا تتورط الحكومة بأخذ موقف أحادي الجانب بل يجب ان تشرّك بقية الأطراف وذلك في اطار حوار وطني. كما أن المجتمع المدني ملزم بالقيام بدوره من اجل التصدي للمخططات الخطيرة التي تحاك للبلاد وأن تحمل المسؤولية للدول الغربية، التي في تقديره لوّثت البيئة بالنفايات كما لوثت مجتمعنا بالارهاب والتطرف واليوم تريد ان تحمّل بلادنا مسؤولية خياراتها وسياساتها وبالنظر الى الامكانيات المحدودة لبلادنا مقارنة بامكانيات هذه الدول فانها الأولى بتحمل مسؤولية اعادة توطين الارهابيين واعادة ادماجهم.

