تطرح دراسة هولندية جديدة تونس باعتبارها بلداً يتمتع بمؤهلات مهمة لتطوير شراكة اقتصادية جديدة مع هولندا، تقوم أساساً على استقطاب الكفاءات التونسية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى جانب فرص واعدة في القطاع الفلاحي، ولا سيما الزراعات المحمية.
الدراسة، التي أعدها معهد كلينغندايل الهولندي للعلاقات الدولية، تندرج ضمن سلسلة أبحاث تبحث في إمكانية اعتماد ما يعرف بالتشغيل عن قرب، أي تمكين الشركات الهولندية من الاستفادة من الكفاءات الموجودة في بلدان شريكة من دون نقل العمال إلى هولندا بأعداد كبيرة.
واعتمد التقرير في إعداد تقييمه للسوق التونسية على أربع وأربعين مقابلة شبه مهيكلة مع فاعلين من القطاعين العام والخاص. وأجريت ثلاث وثلاثون مقابلة منها حضورياً خلال مهمة بحثية استمرت أسبوعين في تونس، فيما تمت بقية المقابلات عن بعد.
تونس تملك مقومات لجذب الشركات الهولندية
يرى التقرير أن تونس تمتلك مجموعة من العناصر التي يمكن أن تجعلها شريكاً مهماً للشركات الهولندية، من بينها القرب الجغرافي والاقتصادي من أوروبا، وتقارب التوقيت، وتوفر اليد العاملة ذات المهارات التقنية، فضلاً عن وجود سوق ناضجة نسبياً في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ويشير التقرير إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يمثل نحو 11 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في تونس، مع نمو سنوي يناهز 8 بالمائة، ووجود نحو ألفين ومئتي شركة ناشطة في المجال.
كما بلغت صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نحو 517 مليون دولار خلال سنة 2024، فيما بلغت نسبة النفاذ إلى الإنترنت نحو 84.9 بالمائة.
وتشير الدراسة أيضاً إلى وجود قاعدة بشرية مهمة يمكن أن تستفيد منها الشركات الأجنبية، إذ يمثل خريجو العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات نحو 37.9 بالمائة من خريجي التعليم العالي.
ويعتبر التقرير أن الكلفة تمثل عاملاً إضافياً، إذ تتراوح الأجور الشهرية في قطاع تكنولوجيا المعلومات في تونس، وفق المعطيات التي أوردها، بين نحو 470 و1800 يورو، بمتوسط يقارب 1226 يورو، بينما قدر عدد من المشاركين في المقابلات مستوى الأجور بنحو ثلث المستويات الأوروبية.
شركات هولندية بدأت بالفعل في تونس
ولا تقتصر المسألة، بحسب الدراسة، على الإمكانات النظرية، إذ يشير التقرير إلى أن شركتين هولنديتين أقامتا بالفعل عمليات في تونس.
وبحسب المعطيات التي جمعها الباحثون، بدأت هذه العمليات على نطاق محدود قبل أن تتوسع تدريجياً، وأصبحت الفرق التونسية جزءاً من العمليات الرقمية والإدارية الأساسية لهذه الشركات.
ويرى التقرير أن هذه التجارب يمكن أن تشكل أساساً لتوسيع التعاون، خاصة إذا تمكنت الشركات الهولندية من التعرف بصورة أكبر على السوق التونسية وقدراتها البشرية.
عوائق أمام شراكة أوسع
لكن الدراسة لا تقدم صورة خالية من التحديات.
فقد أشار المشاركون في المقابلات إلى محدودية معرفة الشركات الهولندية بالسوق التونسية، إضافة إلى الصعوبات الإدارية والبيروقراطية، وبعض المسائل المتعلقة بالتوافق مع القواعد الأوروبية الخاصة بحماية المعطيات الشخصية.
كما تطرق التقرير إلى صعوبات التنقل المهني والتأشيرات، معتبراً أن معالجة هذه المسائل يمكن أن تساعد على بناء شراكات أكثر استدامة بين الشركات والمؤسسات في البلدين.
من التكنولوجيا إلى الفلاحة
وتخصص الدراسة جزءاً استكشافياً للقطاع الفلاحي، وترى أن تونس تمتلك أيضاً مقومات يمكن أن تجعلها شريكاً لهولندا في الزراعات المحمية.
ويستند هذا التقييم إلى القرب الجغرافي، وانخفاض كلفة اليد العاملة مقارنة بهولندا، والظروف المناخية التي تسمح بإنتاج عدد من المحاصيل في فترات تختلف عن الفترات الأوروبية.
ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير أن إنتاج الطماطم في تونس يحتاج إلى نحو 15 بالمائة فقط من الطاقة اللازمة لإنتاجها في هولندا.
غير أن المياه تمثل، في المقابل، العقبة الرئيسية أمام التوسع في هذا المجال، وهو ما يجعل تقنيات تحلية المياه وإعادة استعمالها وترشيد استهلاك الطاقة عناصر أساسية في أي توسع مستقبلي.
ويستشهد التقرير بتجربة شركة هولندية في قابس طورت محطة مخصصة لتحلية المياه لفائدة إنتاج الطماطم داخل البيوت المحمية، مع اعتماد تقنيات لإعادة تدوير المياه والاستفادة من الطاقة بصورة أكثر كفاءة.
تدوير الكفاءات بدل الهجرة الواسعة
وتذهب الدراسة أبعد من فكرة التشغيل عن بعد، إذ تربطها بإمكانية تطوير نماذج جديدة من التعاون في مجال الهجرة.
فبدلاً من أن تقوم الشراكة على انتقال أعداد كبيرة من العمال إلى هولندا، يمكن للشركات الهولندية أن تستفيد من الكفاءات التونسية داخل تونس، مع إمكانية تطوير برامج للتكوين والتنقل المؤقت وتبادل الخبرات.
وفي القطاع الفلاحي تحديداً، يرى التقرير أن مثل هذه الصيغة يمكن أن تفتح المجال أمام ما يسمى بتدوير الكفاءات، حيث يكتسب العمال خبرة في هولندا ثم يعودون بها إلى تونس، بما يسمح بنقل المعرفة والتقنيات.
وتخلص الدراسة إلى أن تونس تمتلك عناصر أساسية تؤهلها لتكون شريكاً مهماً لهولندا في هذا المجال، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى شراكات اقتصادية فعلية يتطلب معالجة العقبات التنظيمية والإدارية وتعزيز معرفة الشركات الهولندية بالسوق التونسية.
من أعد الدراسة؟
أعد التقرير ماتيو كولومبو، الباحث في وحدة أبحاث النزاعات التابعة لمعهد كلينغندايل، وإيليا عبدين، الباحثة في وحدة الاتحاد الأوروبي والشؤون العالمية، ووارنر تن كاتي، الباحث الرئيسي ورئيس برنامج الهجرة في الوحدة نفسها.
كما يوجه التقرير الشكر إلى عائدة كريم والدكتور نزار بن ناجي على مساهمتهما في الإعداد للمقابلات التي أجريت في تونس وتنفيذها.
ما هو معهد كلينغندايل؟
Netherlands Institute of International Relations ‘Clingendael’
معهد كلينغندايل هو مؤسسة هولندية مستقلة متخصصة في العلاقات الدولية، ويجمع بين البحث والدراسات والتكوين الدبلوماسي والنقاش العام حول القضايا الدولية. ويقدم تحليلات ودراسات لصالح الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني، من دون أن يكون مرتبطاً بحزب سياسي أو حركة تجارية أو دينية.
تاريخ نشر التقرير
تاريخ نشر الدراسة: 24 سبتمبر 2026
عنوانها الأصلي هو «إمكانات التشغيل عن قرب في تونس بالنسبة إلى هولندا: جسر رقمي استراتيجي»، وهي منشورة ضمن قسم التقارير والأوراق البحثية لمعهد كلينغندايل.
