في 20 ديسمبر 2025، نشر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، التابع لرئاسة الجمهورية، دراسة محورية حول إصلاح النظام الجبائي التونسي في أفق رؤية 2035.
الدراسة تُقدَّم بوصفها وثيقة توجيهية كبرى، تهدف إلى معالجة اختلالات مزمنة في المالية العمومية، وتحقيق العدالة الجبائية، ودعم القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.تقدّم دراسة المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، المندرجة ضمن رؤية 2035، تشخيصًا معمّقًا لأزمة النظام الجبائي في تونس، معتبرة أن الاختلالات القائمة هي هيكلية ومتراكمة وليست نتاج ظرف اقتصادي أو سياسي عابر. وتؤكد الدراسة أن الجباية التونسية فقدت وظيفتها الأساسية كأداة للعدالة الاجتماعية والتنمية، وأصبحت مصدر توتّر دائم بين الدولة والمواطن والمؤسسة الاقتصادية.
أبرز ما يميّز هذا العمل هو صراحته في توصيف الواقع، حيث يقرّ بأن النظام الجبائي الحالي غير عادل في توزيعه للعبء الضريبي، نتيجة الاعتماد المفرط على الأداءات غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات المتوسطة والضعيفة، مقابل مساهمة محدودة للضرائب المباشرة مقارنة بالمعايير الدولية. كما تبرز الدراسة اتساع الهوّة بين الضغط الجبائي المرتفع نسبيًا وضيق القاعدة الجبائية، بسبب الحجم الكبير للاقتصاد الموازي وضعف إدماجه في المنظومة الرسمية.
وتولي الدراسة اهتمامًا خاصًا بمسألة الضريبة التقديرية، معتبرة إياها أحد أبرز مصادر اللاتوازن واللاعدالة، إذ يضم هذا النظام نسبة كبيرة من المطالبين بالضريبة دون أن ينعكس ذلك على الموارد الجبائية. وترى أن الإبقاء عليه بصيغته الحالية يقوّض مبدأ المساواة أمام الضريبة ويغذّي الشعور بالظلم الجبائي.
في محور الإصلاح، تقترح الدراسة تحولًا هيكليًا للإدارة الجبائية يقوم أساسًا على الرقمنة والتحديث التكنولوجي، من خلال تبسيط الإجراءات، وتوحيد قواعد البيانات، والانتقال التدريجي إلى إدارة جبائية ذكية. غير أنها تقرّ في الوقت ذاته بأن هذا المسار يتطلب استثمارات مالية هامة وإعادة تأهيل شاملة للموارد البشرية، إضافة إلى تجاوز العقبات المرتبطة بالبيروقراطية وضعف النجاعة الإدارية.
وعلى مستوى العدالة الجبائية، تدعو الدراسة إلى إعادة التوازن بين مختلف فئات المطالبين بالضريبة، عبر مراجعة الضريبة على الدخل بما يعكس القدرة الحقيقية على المساهمة، وإدخال آليات تقنية حديثة مثل القسط العائلي. كما تفتح النقاش حول إقرار ضريبة على الثروة، مع التنبيه إلى ما يرافقها من مخاطر في حال غياب الإطار الإداري والقانوني الملائم.
أما في ما يخص المؤسسات، فتشدد الدراسة على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين تحسين التنافسية وضمان الموارد الجبائية للدولة، معتبرة أن استقرار التشريع الجبائي شرط أساسي لاستعادة ثقة المستثمرين، في ظل التغييرات المتكررة التي أضعفت مناخ الأعمال خلال السنوات الأخيرة.
وتخلص الدراسة إلى أن نجاح الإصلاح الجبائي في تونس لا يرتبط فقط بجودة الخيارات التقنية، بل يتوقف أساسًا على الإرادة السياسية، وحسن الحوكمة، وقدرة الإدارة على استيعاب الإصلاحات. ومن هذا المنطلق، توصي باعتماد مقاربة تدريجية وواقعية، تركز أولًا على بناء الثقة وتحديث الهياكل، قبل المرور إلى إصلاحات عميقة ومعقّدة.
وفي ما يلي النص الحرفي لدراسة المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية

