أثار ظهور أعداد من الذئاب في بعض المناطق الجبلية، خاصة بجهة ماجورة بالسند من ولاية قفصة جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بين دعوات لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان، وأخرى تحذّر من الانزلاق نحو التعامل العنيف مع الحياة البرية.
وفي هذا السياق، علّق الأستاذ محمد القطاري، وهو أستاذ بالمعهد العالي للفلاحة، على دعوات متداولة لقتل الذئاب أو استهلاك لحومها، معتبراً أن هذا الخطاب يعكس “صراعًا غير مبرّر مع الحيوانات البرية” وسلوكًا “دمويًا” لا يأخذ بعين الاعتبار دور هذه الكائنات في التوازن البيئي.
وأكد القطاري أن عديد الدول، من بينها دول أوروبية وأمريكية، سعت في السنوات الأخيرة إلى إعادة توطين الذئاب بعد انقراضها، لما ترتّب عن غيابها من اختلالات بيئية أثّرت حتى على النشاط الفلاحي. كما أشار إلى تجارب دول مثل كندا وروسيا وتنزانيا وإثيوبيا والهند، حيث تعيش المجتمعات البشرية إلى جانب حيوانات برية خطرة نسبيًا دون اللجوء إلى حملات تهويل أو تصفية جماعية.
وفي المقابل، نشر عدد من المواطنين تدوينات وتحذيرات عبّروا فيها عن مخاوف حقيقية من تزايد مشاهدة الذئاب ليلًا ونهارًا قرب المناطق السكنية، معتبرين أن الوضع “يستدعي الحيطة والحذر” واتخاذ إجراءات وقائية لحماية الأهالي، خاصة في الأرياف والمناطق الجبلية.

ويرى متابعون أن هذا الجدل يطرح من جديد مسألة التوازن بين حماية الإنسان وحماية الطبيعة، وضرورة اعتماد مقاربة علمية تشاركية تجمع بين السلط المعنية، المختصين في البيئة، والمجتمعات المحلية، بعيدًا عن التهويل أو الدعوات العنيفة التي قد تضر بالتنوع البيولوجي دون أن توفّر حلولًا مستدامة لمخاوف السكان.
متى انقرضت الذئاب من تونس؟
- لم يُسجّل وجود مستقر للذئاب في تونس منذ القرن العشرين تقريبًا، خاصة مع تزايد الصيد الجائر وتدمير المواطن الطبيعية.
- بعض المصادر البيئية تشير إلى أن آخر الملاحظات الموثّقة للذئاب في الجبال الشمالية والوسطى تعود إلى السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
- السبب الرئيسي للانقراض:
- الصيد البشري لأسباب زراعية أو خوفًا من الهجوم على الماشية.
- تدمير المواطن الطبيعية بسبب التوسع العمراني والزراعي.
- ندرة الفرائس الطبيعية، مما اضطر الذئاب للابتعاد عن مناطق الإنسان أو الهلاك.
أهمية عودة الذئاب
عودة الذئاب إلى بيئتها الطبيعية في تونس مهمة جدًا على عدة مستويات:
أ. التوازن البيئي
- الذئاب من المفترسات العليا، تتحكم في أعداد الفرائس البرية مثل الغزلان والأرانب والضباع الصغيرة، مما يمنع انتشار الأمراض النباتية والحيوانية.
- بدون الذئاب، يمكن أن يحدث اختلال في السلسلة الغذائية يؤدي إلى تدهور الغابات والمراعي.
ب. الفوائد الزراعية
- رغم أن البعض يخشى الذئاب على الماشية، إلا أن وجودها يحافظ على التحكم الطبيعي في الحيوانات التي قد تضر بالمزروعات مثل الأرانب أو القوارض الكبيرة.
- برامج الحماية الحديثة تعلم المزارعين كيفية التعايش مع المفترسات بدل قتلها.
ج. التنوع البيولوجي والسياحة البيئية
- الذئاب جزء من التراث الطبيعي للتنوع البيولوجي التونسي.
- وجود الذئاب يمكن أن يجذب السياحة البيئية والمختصين في الدراسات البيئية، كما يحدث في دول أوروبية وأميركا الشمالية حيث تُعيد السلطات الذئاب بعد انقراضها.
د. رمزية الحفاظ على الطبيعة
- إعادة الذئاب للبيئة تُرسل رسالة عن أهمية حماية الحياة البرية وعدم التعامل معها بعنف.
- تساعد على تغيير الثقافة المحلية من الخوف والعداء إلى التعايش والحماية.

