الرئيسيةأخبار تونسحين يعبر الفساد الحدود: المصحات التونسية تدفع ثمن إختلالات التكفل الصحي الليبي

حين يعبر الفساد الحدود: المصحات التونسية تدفع ثمن إختلالات التكفل الصحي الليبي

فجّرت تصريحات نقيب الصحفيين بطرابلس والمنطقة الغربية، منصور الأحرش، معطيات خطيرة بشأن تحويل مئات ملايين الدنانير إلى شركة خاصة واحدة تُدعى “أريج” في إطار علاج الليبيين بالخارج، مقابل ما وصفه بـ“خدمات وهمية”، وذلك في ظل غياب التدقيق في ملفات المرضى وفواتير المصحات.

وتكشف هذه الاتهامات، إن ثبتت، أن الأموال المخصّصة للعلاج لم تتوقف، لكنها لم تصل إلى وجهتها الطبيعية، أي المصحات التي قدّمت الخدمة الفعلية، وهو ما يفسّر المفارقة الصادمة بين وفرة الاعتمادات من جهة، وتراكم ديون خانقة على المؤسسات الصحية التونسية من جهة أخرى.

المصحات التونسية… الضحية المباشرة

في هذا السياق، يقدّم تصريح رئيس غرفة المصحات الخاصة في تونس، بوبكر زخامة، الصورة الأكثر وضوحًا عن حجم الخسائر التي تكبّدها القطاع الصحي الخاص، إذ يؤكد أن الديون المتراكمة لفائدة المصحات التونسية تجاوزت 350 مليون دينار تونسي، ويعود جزء كبير منها إلى سنة 2013، رغم أن الخدمات الطبية قُدّمت بالكامل ووفق الضوابط المهنية.

ويشير زخامة إلى أن نحو 250 ألف مريض ليبي سنويًا كانوا يتلقون العلاج في المصحات التونسية بموجب قرارات تكفل رسمية، ما جعل هذه المؤسسات تتحمل عبئًا صحيًا وإنسانيًا كبيرًا دون أن يقابله التزام مالي منتظم.

مقابل ذلك حصرت شركة أريج ديون المرضى الليبيين في المصحات التونسية ووصل المبلغ إلى 50 مليون دينار تونسي وفق مصادر ليبية مطلعة .

أموال تُصرف… خارج مسار العلاج

المفارقة، بحسب مهنيين في القطاع الصحي، أن الأزمة لم تكن نتيجة غياب الموارد، بل نتيجة تحويلها خارج المسار الطبيعي. فبينما تُثار شبهات حول صرف مئات الملايين لفائدة شركة واحدة، تُترك المصحات التونسية التي قدّمت العلاج فعليًا تواجه وحدها تراكم الديون واختلال توازناتها المالية.

هذا الواقع دفع المصحات الخاصة، منذ سبتمبر الماضي، إلى وقف العمل بصيغة التكفل العلاجي المسبق، بعد سنوات من الانتظار والمفاوضات غير المثمرة مع الجانب الليبي.

قرار اضطراري لحماية القطاع

ويؤكد بوبكر زخامة أن قرار وقف قبول المرضى الليبيين وفق صيغة التكفل المسبق لم يكن قرارًا سياسيًا ولا موجّهًا ضد المرضى، بل إجراءً اضطراريًا لحماية المؤسسات الصحية من الانهيار المالي، في ظل غياب أي ضمانات أو جدول زمني واضح لخلاص المستحقات.

وقد ترتب عن هذا القرار حرمان آلاف المرضى الليبيين، خاصة من ذوي الدخل المحدود، من العلاج في تونس، بعد مطالبتهم بالدفع المسبق.

فساد عابر للحدود… وخسارة تونسية صافية

تحوّل ملف التكفل الصحي الليبي، وفق متابعين، إلى مثال صارخ لكيف يمكن لاختلالات الحوكمة والفساد في دولة ما أن تنعكس مباشرة على اقتصاد دولة مجاورة، فتتحمل مؤسساتها كلفة مالية جسيمة دون أن تكون طرفًا في القرار أو في آليات الصرف.

وفي تونس، يُطرح اليوم سؤال مركزي: من يحمي المصحات التونسية من تبعات هذا الملف؟ وأين دور الدولة في الدفاع عن قطاع صحي استراتيجي ساهم لسنوات في جعل تونس وجهة علاجية إقليمية؟

ما بعد الاتهامات

وبينما تبقى الاتهامات الموجّهة إلى شركة “أريج” في حاجة إلى تحقيق قضائي شفاف ومستقل، فإن نتائجها على أرض الواقع واضحة: مصحات تونسية مثقلة بالديون، مرضى ليبيون بلا علاج، ومنظومة تكفل فقدت مصداقيتها.

ولا يرى مهنيون مخرجًا من هذه الأزمة دون تسوية شاملة للديون، وإرساء آلية شفافة تضمن وصول الأموال مباشرة إلى المصحات التي تقدّم الخدمة، وتحمي القطاع الصحي التونسي من تكرار سيناريو دفع ثمن اختلالات لم يكن طرفًا فيها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!