يتسع الجدل حول تطبيق “واتساب” وحماية الخصوصية الرقمية، في ظل اتهامات متصاعدة تطعن في صدقية نظام التشفير، تزامناً مع تصريحات حادة من مؤسس “تلغرام” بافل دوروف، ودعوى قضائية في الولايات المتحدة، ما يضع نموذج حماية البيانات في التطبيق تحت اختبار علني غير مسبوق.
دوروف أطلق، مساء الخميس، موجة جديدة من الانتقادات عبر تدوينة على منصة “إكس”، قال فيها إن التشفير في “واتساب” قد يكون أكبر عملية خداع للمستهلك في التاريخ، مضيفاً أن التطبيق “يخدع مليارات المستخدمين، ورغم ادعاءاته فإنه يقرأ رسائل المستخدمين ويشاركها مع أطراف ثالثة”، مؤكداً أن “تلغرام لم يفعل ذلك أبداً، ولن يفعل ذلك أبداً”.
وأرفق رجل الأعمال الروسي تدوينته بصورة مقتطفة من وثيقة قانونية، تضمنت نصاً ورد في شكوى قضائية ضد “ميتا” و”واتساب”، يفيد بوجود “باب خلفي” (Backdoor) في شفرة التطبيق، وبحسب نص الشكوى فإن هذا المسار يتيح لموظفي “ميتا” أو متعاقدين خارجيين تجاوز التشفير، بغرض الاطلاع على رسائل المستخدمين الخاصة، خصوصاً تلك المصنفة احتيالية أو المخالفة للسياسات، ضمن آليات مراجعة داخلية وفي ظروف محددة.
هذه الاتهامات تتقاطع مع ما كشفته وكالة “بلومبرغ” مطلع العام الجاري، حين أفادت برفع دعوى جماعية أمام محكمة فيدرالية في سان فرانسيسكو، رفعها مدعون من دول عدة من بينها أستراليا والبرازيل والهند والمكسيك وجنوب إفريقيا، حيث تتهم الدعوى شركة “ميتا” بنشر معلومات مضللة بشأن خصوصية وأمان “واتساب”، وتؤكد أن الشركة تخزن وتحلل وتستطيع الوصول إلى اتصالات المستخدمين رغم تأكيدها أن التشفير من الطرف إلى الطرف يمنع ذلك.
الوثائق القضائية التي يستند إليها المدعون تشير إلى أن أنظمة الإشراف داخل “ميتا” قد تتيح وصولاً إلى بعض الرسائل في سياقات محددة، مع حديث عن غياب موافقة صريحة من المستخدمين على هذا النوع من المعالجة، في المقابل نفت الشركة هذه الادعاءات ووصفتها بأنها غير صحيحة، مؤكدة أن رسائل المستخدمين تبقى مشفرة ولا يمكن الاطلاع عليها من طرفها.
التصعيد لم يبق محصوراً بين الشركات، إذ دخل أغنى رجل في العالم إيلون ماسك على الخط مؤيداً تصريحات سابقة لدوروف اعتبر فيها أن تطبيق “واتساب” غير آمن، ما ساهم في توسيع النقاش العام حول أمان تطبيقات يستخدمها مئات الملايين يومياً، في وقت تتزايد فيه حساسية قضايا البيانات والخصوصية على المستوى العالمي.
القراءة التقنية لهذا الجدل تكشف تعقيداً يتجاوز الخطاب المتداول، إذ يشير الخبير الأميركي في الأمن السيبراني بروس شناير إلى أن التشفير لا يمثل سوى جزء من منظومة الأمان، ويؤكد في كتاباته أن قوة الخوارزمية لا تمنع وجود ثغرات في التطبيق أو في البيئة التشغيلية، سواء تعلق الأمر بإدارة المفاتيح أو بآليات التخزين أو بسلوك المستخدم نفسه، وهو ما يجعل أي نظام عرضة للاختراق إذا لم تُضبط جميع مكوناته بدقة.
في الاتجاه نفسه، يوضح ماثيو غرين، أستاذ التشفير في “جامعة جونز هوبكنز”، أن البروتوكول الذي يعتمد عليه “واتساب” يُعد من أقوى النماذج المتاحة، غير أن الإشكال يظهر في الطبقات المرافقة للتطبيق، حيث يمكن أن تتحول النسخ الاحتياطية السحابية أو أدوات التبليغ عن الرسائل إلى نقاط ضعف، خاصة إذا لم تكن مشفرة بنفس المستوى.
أما سوزان لاندو، الباحثة في سياسات الأمن السيبراني، فتربط هذا الجدل بالسياق القانوني والتنظيمي، إذ تشير إلى أن شركات التكنولوجيا تعمل ضمن بيئة تضغط نحو تحقيق توازن صعب بين حماية الخصوصية من جهة، والاستجابة لمتطلبات قانونية أو أمنية من جهة أخرى، وهو ما ينعكس على تصميم الأنظمة ويخلق مساحات رمادية في إدارة البيانات.
هذا التداخل بين التقنية والقانون يفسر جزءاً من الإشكال القائم، إذ إن مفهوم “التشفير من الطرف إلى الطرف” يُقدَّم غالباً كضمان كامل، بينما تشير الدراسات إلى أن البيانات الوصفية، مثل توقيت الاتصال وهوية الأطراف، تظل خارج نطاق التشفير ويمكن استخدامها لرسم صورة دقيقة عن سلوك المستخدمين.
في المقابل، لا تخلو منصة “تلغرام” نفسها من ملاحظات تقنية، حيث يشير مختصون إلى أن التشفير الكامل لا يُفعّل افتراضياً في جميع المحادثات، بل يقتصر على “المحادثات السرية”، بينما تُخزن المحادثات الأخرى على خوادم الشركة، ما يجعل المقارنة بين المنصتين أكثر تعقيداً من الخطاب المتبادل بين مؤسسيهما.
وتعكس التطورات الأخيرة تحولاً في وعي المستخدمين، حيث لم يعد الخطاب التسويقي حول الأمان كافياً، بل أصبح هناك طلب متزايد على الشفافية، وعلى فهم فعلي لكيفية إدارة البيانات، ومن يملك الوصول إليها، وتحت أي شروط، وهي أسئلة مرشحة لمزيد من الحضور مع استمرار الضغوط القانونية وتصاعد المنافسة بين شركات التكنولوجيا.
وتتجه الأنظار إلى مآلات الدعوى القضائية في الولايات المتحدة، وما قد تفضي إليه من معايير جديدة في التعامل مع بيانات المستخدمين، إذ إن أي حكم أو تسوية محتملة قد يعيد رسم حدود العلاقة بين المستخدم والمنصة، ويضع تعريفاً أكثر دقة لمفهوم الخصوصية في العصر الرقمي.

