أصدرت وكالة ائتمان الصادرات الإيطالية SACE، التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية، تقريرها السنوي حول خريطة الصادرات لسنة 2026، وهو تقرير تحليلي شامل يهدف إلى توجيه الشركات الإيطالية في توسعها نحو الأسواق الخارجية. ويعتمد التقرير على تحليل نحو 200 سوق أجنبية عبر مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية والمالية والسياسية، من أجل تقييم فرص التجارة والاستثمار ومستوى المخاطر في كل دولة.
وفي هذا الإطار، احتلت تونس المرتبة 37 عالمياً كوجهة للصادرات الإيطالية، كما جاءت في المرتبة الخامسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو تصنيف يعكس استمرار حضورها ضمن الأسواق المرتبطة اقتصادياً بإيطاليا، خاصة بحكم القرب الجغرافي والتكامل الصناعي بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط.
العلاقات التجارية بين تونس وإيطاليا
تشير بيانات التقرير إلى أن المبادلات التجارية بين تونس وإيطاليا لا تزال تحافظ على مستوى مهم، إذ بلغت الصادرات الإيطالية نحو تونس حوالي 3.3 مليار يورو سنة 2024، في حين تراوحت الواردات الإيطالية من تونس بين 3.4 و3.5 مليار يورو.
كما تحتفظ إيطاليا بموقع متقدم في السوق التونسية، حيث تبلغ حصتها حوالي 13 بالمائة من إجمالي الواردات التونسية، وهو ما يجعلها أحد أبرز الشركاء التجاريين لتونس داخل الاتحاد الأوروبي.
ويرتبط هذا الحضور أساساً بقطاعات صناعية تشهد تشابكاً قوياً في سلاسل الإنتاج، من بينها الصناعات الميكانيكية، ومكونات السيارات، وصناعة النسيج والملابس، إضافة إلى بعض الأنشطة المرتبطة بالطاقة.
مؤشرات الفرص والمخاطر
اعتمدت وكالة SACE في إعداد خريطة الصادرات على أكثر من 30 مؤشراً اقتصادياً وسياسياً لتقييم بيئة الأعمال في كل دولة. وفي ما يتعلق بتونس، جاءت المؤشرات الأساسية على النحو التالي:
- مؤشر فرص التصدير: 40 من 100
- مؤشر فرص الاستثمار: 28 من 100
- مؤشر المخاطر السياسية: 82 من 100
- مؤشر مخاطر الائتمان: 94 من 100
وتعتمد هذه المؤشرات على منهجية خاصة تقيس عدداً من العوامل، من بينها حجم السوق، ومعدلات النمو الاقتصادي، ودرجة الانفتاح التجاري، إضافة إلى مستوى الاستقرار السياسي والمالي.
فرص التصدير: سوق متوسطة الجاذبية
يشير مؤشر فرص التصدير (40 من 100) إلى أن السوق التونسية توفر فرصاً متوسطة للشركات الأجنبية. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من بينها محدودية حجم السوق مقارنة بالاقتصادات الكبرى، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، يظل السوق التونسي مهماً بالنسبة للشركات الإيطالية نظراً لارتباطه الوثيق بسلاسل الإنتاج الأوروبية، خصوصاً في الصناعات الموجهة للتصدير.
فرص الاستثمار: بيئة تحتاج إلى إصلاحات
أما مؤشر فرص الاستثمار (28 من 100) فيعكس تقييم التقرير لبيئة الاستثمار في تونس، والتي يعتبرها أقل جاذبية مقارنة بعدد من الأسواق الأخرى في المنطقة.
ويأخذ هذا المؤشر في الاعتبار عدة عناصر، مثل الإطار القانوني للاستثمار، وسهولة الإجراءات الإدارية، ومستوى البنية التحتية، وإمكانية تحويل الأرباح، فضلاً عن استقرار السياسات الاقتصادية.
المخاطر السياسية والائتمانية
في المقابل، يسجل التقرير مستوى مرتفعاً في مؤشر المخاطر السياسية (82 من 100)، وهو ما يشير إلى وجود درجة من عدم اليقين السياسي أو المؤسساتي قد تؤثر في قرارات الاستثمار أو التوسع التجاري.
كما يظهر مؤشر مخاطر الائتمان (94 من 100) أن التقرير يصنف المخاطر المالية في تونس ضمن المستويات المرتفعة، وهو مؤشر يقيس قدرة الدولة والشركات على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويأخذ بعين الاعتبار مستوى الدين، واحتياطي العملة الصعبة، والاستقرار المالي العام.
تونس بين المخاطر والفرص
رغم هذه التقييمات المرتبطة بالمخاطر، يؤكد التقرير أن تونس تظل سوقاً ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لإيطاليا، خصوصاً بسبب القرب الجغرافي، ووجود شبكة واسعة من الشركات الإيطالية العاملة في البلاد منذ عقود.
كما أن تكامل سلاسل الإنتاج بين البلدين، خاصة في قطاعات النسيج والصناعات الميكانيكية ومكونات السيارات، يجعل من تونس منصة صناعية مرتبطة مباشرة بالاقتصاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، ترى وكالة SACE أن خريطة الصادرات لسنة 2026 تمثل أداة استشرافية للشركات الإيطالية تساعدها على فهم التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتقييم المخاطر قبل دخول الأسواق الخارجية أو توسيع أنشطتها فيها.
وتؤكد الوكالة أن تنويع الأسواق أصبح عاملاً أساسياً بالنسبة للشركات المصدّرة، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية، وهو ما يجعل من أدوات تقييم المخاطر والفرص عاملاً حاسماً في رسم الاستراتيجيات التجارية الدولية.

