الرئيسيةآخر الأخبارالتحليل الرغبوي… عندما تتحول الأمنيات إلى “حقائق” في زمن الحروب

التحليل الرغبوي… عندما تتحول الأمنيات إلى “حقائق” في زمن الحروب

في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، لا تصبح المعارك عسكرية فقط، بل تتحول أيضاً إلى صراع على الرواية والمعلومة.

وفي هذا السياق يبرز ما يسميه الباحثون في العلوم السياسية والإعلام التحليل الرغبوي، أي قراءة الأحداث وفق ما يرغب المرء في حدوثه، لا وفق ما تثبته الوقائع والمعطيات الميدانية.

هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تتفاقم في زمن الحروب حيث تختلط المعلومات بالدعاية، وتصبح الأخبار سلاحاً موازياً للصواريخ والطائرات.

وقد لخص Winston Churchill هذه الحقيقة بعبارته الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية عندما قال إن
“الحقيقة سلعة ثمينة جداً في زمن الحرب، ولذلك يجب أن تحاط دائماً بحراس من الأكاذيب.”

هذه المقولة تكشف جانباً أساسياً من طبيعة الصراعات الكبرى: فالمعلومة ليست دائماً انعكاساً محايداً للواقع، بل قد تكون أداة في المعركة.

حين تختلط الرغبة بالتحليل

يقوم التحليل الرغبوي على آلية نفسية بسيطة لكنها مؤثرة: يميل الإنسان إلى تصديق المعلومات التي تؤكد قناعاته المسبقة أو تمنحه شعوراً بالانتصار، بينما يتعامل بشك مع المعطيات التي تناقض توقعاته.

وفي زمن الحروب تتضاعف هذه الظاهرة، لأن الجمهور يعيش تحت ضغط نفسي شديد ويبحث عن أخبار تعزز الثقة أو الأمل. وهنا يصبح من السهل انتشار روايات مبالغ فيها حول “انتصارات ساحقة” أو “هزائم كاملة” للطرف الآخر.

وقد حذر عدد من الخبراء الدوليين من هذا الميل في قراءة النزاعات.

فالباحث الأمريكي Robert Jervis، أحد أبرز المتخصصين في تحليل الإدراك السياسي في العلاقات الدولية، يوضح أن صانعي القرار والجمهور على حد سواء يميلون في أوقات الأزمات إلى تفسير المعلومات بطريقة انتقائية تخدم توقعاتهم المسبقة. ويرى أن هذا الانحياز قد يقود أحياناً إلى سوء تقدير خطير لموازين القوى.

أما الخبير في شؤون الحرب والدعاية Lawrence Freedman فيؤكد أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في الفضاء الإعلامي. ويشير إلى أن كل طرف يسعى إلى بناء سردية تقنع جمهوره بأنه يتقدم في المعركة، حتى عندما تكون الصورة على الأرض أكثر تعقيداً.

الدعاية والحرب النفسية

الحروب المعاصرة تعتمد بشكل متزايد على ما يعرف بالحرب المعلوماتية، حيث يتم استخدام الأخبار والتحليلات والتسريبات كسلاح للتأثير في الرأي العام.

وفي هذا السياق يوضح الباحث في الإعلام السياسي Philip M. Taylor أن الدعاية في زمن الحروب تقوم غالباً على تضخيم النجاحات وتقليل الخسائر، لأن الهدف ليس فقط كسب المعركة العسكرية بل أيضاً الحفاظ على معنويات الجمهور وإضعاف ثقة الخصم بنفسه.

وهنا يصبح التحليل الرغبوي جزءاً من منظومة أوسع من الحرب النفسية، إذ يتم تداول معلومات أو تقديرات غير مؤكدة لكنها تبدو جذابة للجمهور لأنها تتوافق مع توقعاته أو رغباته.

وسائل التواصل… مسرّع للأمنيات

إذا كانت الدعاية الحربية موجودة منذ قرون، فإن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت انتشار التحليل الرغبوي أسرع بكثير. فالمعلومات اليوم تنتقل خلال ثوانٍ إلى ملايين الأشخاص، وغالباً دون المرور بآليات التحقق التقليدية التي كانت تعتمدها وسائل الإعلام.

وهذا ما تشير إليه الباحثة في الإعلام الرقمي Zeynep Tufekci التي ترى أن البيئة الرقمية الحالية تشجع على انتشار المعلومات التي تثير المشاعر القوية، سواء كانت صحيحة أو مبالغاً فيها، لأن هذا النوع من المحتوى ينتشر بسرعة أكبر.

الحاجة إلى قراءة باردة للواقع

في نهاية المطاف، لا تكمن خطورة التحليل الرغبوي فقط في نشر معلومات غير دقيقة، بل في أنه قد يقود إلى فهم خاطئ لمسار الأحداث. فالحروب بطبيعتها معقدة ومتغيرة، ولا يمكن اختزالها في روايات بسيطة عن انتصار كامل أو هزيمة مطلقة.

لذلك يؤكد خبراء الدراسات الاستراتيجية أن أفضل طريقة لفهم الصراعات هي التمييز بين الخبر المؤكد، والتقدير التحليلي، والدعاية السياسية. فالمعلومة التي توافق ما نتمناه ليست بالضرورة صحيحة، كما أن الخبر الذي لا ينسجم مع قناعاتنا قد يكون أقرب إلى الواقع.

وفي زمن تتداخل فيه الأخبار بالدعاية، تبقى القاعدة التي لخصها تشرشل قبل عقود صالحة إلى حد بعيد:
الحقيقة في زمن الحرب نادرة وثمينة، ولذلك كثيراً ما تُحاط بطبقات كثيفة من الروايات المتناقضة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!