أكد الخبير البيئي حمدي حشاد أنّ ما شهدته تونس خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 20 جانفي 2026 لا يمكن تصنيفه كمجرد موجة أمطار شتوية عادية، بل يمثل حدثًا مناخيًا استثنائيًا تميّز بانضغاط زمني شديد للتساقطات، حيث نزلت كميات تعادل جزءًا كبيرًا من المعدل السنوي في غضون ثلاثة أيام فقط.
وأوضح حشاد أنّ الأرقام المسجّلة في عدة مناطق تونسية تؤكد خطورة الظاهرة، إذ سجّلت سيدي بوسعيد نحو 400 مم خلال 72 ساعة، أي ما يقارب 80% من المعدل السنوي لتونس الكبرى المقدّر بحوالي 500 مم، وهو حجم يفوق قدرة أي مدينة ساحلية وبنية تصريف حضرية على الاستيعاب.
وفي منزل بوزلفة (ولاية نابل)، بلغت التساقطات 335 مم مقابل معدل سنوي يناهز 480 مم، أي ما يعادل قرابة 70% من أمطار سنة كاملة في أقل من أسبوع، وهو ما يفسّر الفيضانات السريعة وتشبّع التربة وتعطّل الأودية.
أما فندق الجديد (ولاية نابل)، فقد شهدت وضعًا أكثر حدّة، حيث سُجّل 396 مم في 36 ساعة فقط، أي حوالي 83% من المعدل السنوي للجهة في يوم ونصف، وهو حجم أمطار يُفترض أن يتوزّع على موسم كامل.
وفي صيادة (المنستير)، بلغت التساقطات 282 مم مقابل معدل سنوي يقارب 300 مم، ما يعني أن المنطقة استقبلت نحو 94% من أمطار عام كامل خلال 72 ساعة، وهو ما يُصنّف مناخيًا كحدث شديد الندرة.
كما سجّلت حمّام الأنف حوالي 249 مم (نحو 50% من المعدل السنوي لتونس الكبرى)، في حين بلغت التساقطات في حلق الوادي 236 مم (قرابة 47%)، وهي أرقام تفسّر مباشرة مشاهد الغرق الموضعي وانسداد قنوات التصريف.
وفي المناطق الداخلية والجبلية، وصلت التساقطات في زغوان إلى 212 مم مقابل معدل سنوي في حدود 580 مم (نحو 37%)، ورغم أنّ النسبة أقل من بعض المناطق الساحلية، إلا أن خطورتها أعلى بفعل الطبيعة الجبلية وسرعة الجريان السطحي.
حتى المناطق المصنّفة تقليديًا “أقل مطرًا” لم تكن بمعزل عن الظاهرة، إذ سجّلت روّاد 168 مم (حوالي 37% من المعدل السنوي)، والنفيضة 137 مم (41%)، فيما بلغت التساقطات في صفاقس 92 مم، أي ما يقارب 40% من أمطار سنة كاملة في ثلاثة أيام فقط.
في المقابل، ورغم تسجيل ماطر وطبرقة كميات مهمة (127 مم و126 مم)، فإن نسبتها من المعدل السنوي تبقى أقل نسبيًا، بين 13% و21%، ما يبرز التفاوت الكبير في التأثير حسب الجهة.
وخَلُص الخبير البيئي إلى أنّ ما عاشته تونس خلال هذه الفترة يمثّل نمطًا مناخيًا جديدًا:أيام مطر أقل، لكن أمطار أشدّ، أسرع، وأكثر عنفًا، تثقل كاهل المدن والبنية التحتية والسكان


