الرئيسيةآخر الأخبارمضيق هرمز مغلق .. العالم أمام أخطر أزمة طاقة منذ السبعينيات

مضيق هرمز مغلق .. العالم أمام أخطر أزمة طاقة منذ السبعينيات

في 28 فيفري 2026، أشعلت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية المنسقة فتيلَ أشد الأزمات البحرية خطورة منذ عقود؛ فيما لم تتأخر “بحرية الحرس الثوري الإيراني” في إذاعة تحذيرات عبر الترددات اللاسلكية لجميع السفن في المنطقة، معلنة أن “لا سفينة مسموح لها بعبور مضيق هرمز”.

رغم أنه لا يتجاوز في عَرْضِه 21 ميلا بحريا، غير أنه يُمرّر تدفقات تصل في المتوسط إلى 20 مليون برميل من النفط يوميا، ما يمثل قرابة خُمس التجارة النفطية البحرية العالمية، وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، طالعتها هسبريس.

وبحسب المصدر ذاته، تساوي قيمة النفط الخام حوالي 500 مليار دولار في التجارة العالمية السنوية للطاقة، كانت تمر عبر مضيق هرمز كل يوم في عام 2024، ما يبوّئه توصيف “أخطر الممرات والمضايق البحرية” عبر العالم.

وإجمالا، يأتي النفط الخام الذي يمر عبر المضيق من إيران والعراق والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث تتصدر السعودية قائمة “أكبر المصدرين”، تليها الإمارات، ثم العراق فالكويت وقطر. بينما تعد الصين أكبر المستوردين، متبوعة بالهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وتقرّ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأنه “لا توجد سوى خيارات قليلة جدا لنقل النفط خارج المضيق في حالة إغلاقه”، ما يرفع أهميته الاستراتيجية في الربط بين مياه الخليج العربي وخليج عُمان.

في عام 2024، بلغ متوسط تدفق النفط عبر المضيق 20 في المائة من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية. أما في الربع الأول من عام 2025، ظل إجمالي تدفقات النفط عبر مضيق هرمز “ثابتا نسبيا” مقارنة بعام 2024.

“نقطة هشة”

لم يكن ما جرى مجرد تصعيد عسكري في رقعة جغرافية محدودة، وإنما تجاوزَهُ إلى صدمة معلنة في أكثر نقاط الاقتصاد العالمي هشاشة واحتقانا.

تُثبِت حالةَ تلك الصدمة العالمية بيانات تتبع السفن، التي تؤكد تراجع حركة العبور بنسبة تجاوزت 70 في المائة، وباتت أكثر من 150 سفينة راسية خارج المضيق تنتظر تبدّل الأحوال، فيما علّقت كبرى شركات الشحن، بينها “ميرسك” و”هاباج-لويد”، عملياتها عبر هذا الممر، مضطرة إلى اللجوء إلى مسار “رأس الرجاء الصالح” الذي يُطيل أمد الرحلة بأسابيع ويُضاعف كلفتها.

لم يُغلَق المضيق بقرار رسمي، لكنه أُغلق عمليا؛ إذ انسحب المشغّلون التجاريون الكبار وشركات التأمين من هذا الممر، في مشهد يُضاهي في طبيعته أزمة البحر الأحمر مع فارق جوهري:

حجم التحديات على المحك هنا أضخم بكثير. فقد بلغت أقساط التأمين على النقل والشحن البحري أعلى مستوياتها منذ ست سنوات قبيل الضربات، ثم قفزت بصورة حادة في أعقابها.

وعلى صعيد أسواق الطاقة، قدّر بنك “غولدمان ساكس” أن أسعار النفط قد تتجاوز عتبة 100 دولار للبرميل في حال استمرار التعطّل”، بينما حذّر بوب ماكنالي، رئيس مجموعة “رابيدان” للطاقة، من أن إغلاقا مطوّلا للمضيق سيكون بمثابة “ضمانة مؤكدة لركود اقتصادي عالمي”.

“أبعد من النفط”

تمتد تداعيات الأزمة إلى ما هو أبعد من النفط؛ إذ يمر عبر المضيق أيضا ثلث تجارة الأسمدة العالمية، فضلا عن نحو 22% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يعني أن سلاسل التموين الغذائي والطاقة معا باتت في مهبّ الريح. أما دول آسيا الكبرى كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فقد أمّنت في العام الماضي ما يناهز 69% من احتياجاتها النفطية عبر هذا الشريان البحري الوحيد، مما يجعل مصافيها ومصانعها وشبكات نقلها في مواجهة مباشرة مع سيناريو الاضطراب.

ويرى عدد من الخبراء العالميين أن البدائل المتاحة لا تُشكّل سوى ما يعادل 17 في المائة من الطاقة الاستيعابية المعتادة للمضيق؛ فلا يوجد “ممرٌ بديل” قادر على امتصاص الصدمة، ما يجعل من مضيق هرمز ليس له عِوضا.

وينتظَر أن تحمل الأيام المقبلة–في حال استمرار المواجهة العسكرية واشتدادها–انعكاسات قوية على سلاسل التموين والإمداد العالمية، وارتفاع كلفة التأمين البحري، في واحدة من أحلك اللحظات التي يشهدها اقتصاد الطاقة الدولي منذ أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.

“الصدمة الشاملة”؟

بمجرد انتشار التعليمات اللاسلكية للحرس الثوري، شُلّت حركة الملاحة أمام ناقلات النفط والغاز المسال وتحوّل ممرٌ لا يتجاوز عرضه واحدا وعشرين ميلا بحريا إلى “رهان كوني” بامتياز.

ونقلت “وكالة بلومبرغ” المختصة قفزة العقود الآجلة لخام “برنت” إلى ما يصل إلى 13% في مطلع مارس 2026؛ ارتفاع يُجسّد ما يعنيه الإغلاق الفعلي إذا تمادى وتحوّل إلى واقع مستدام.

في هذا السيناريو المتشائم، ستكون البحار هي أولى ساحات الاستنزاف؛ فاضطرار السفن إلى التحوّل نحو رأس الرجاء الصالح يُضيف ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف كيلومتر على مسار كل رحلة، مما يرفع زمن العبور من عشرين يوما إلى ما يتخطى الأربعين.

أما تكاليف النقل فقد ترتفع بين 30 و50%، في حين يُعيد سوق التأمين البحري رسم معادلاته من الصفر: أقساط التأمين تقفز بسبب تجنّب شركات الملاحة هذه النقطة المشتعلة، وهو ما يقتضي إعادة توجيه السفن إلأى مسارات أطول وكلفة أعلى.

كما قد يتخطى النفط 120 دولارا للبرميل وربما يتجاوز 160 دولارا في حال طال أمد الأزمة، فيما قد يرتفع سعر الغاز الطبيعي المسال بنسبة تتجاوز 70% في الأسواق الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، خاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وعلى صعيد التضخم العالمي، يُقدّر صندوق النقد الدولي أن “تعطيلا مطولا” لنشاط مضيق هرمز قادرٌ على إضافة ما بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية إلى مؤشرات التضخم خلال سنة واحدة، ما يدفع اقتصادات أوروبا واليابان، التي تتأثر بشكل غير مباشر عبر ارتفاع أسعار النفط العالمية باعتبارها من أكبر المستوردين، نحو “حافة الركود”.

“هزة مؤقتة قابلة للاحتواء”

غير أن ثمة رأيا آخر يُقارب الأزمة بعين أقل حدة؛ إذ يرى أن التصعيد تكبحُه حسابات بالغة الدقة؛ فإغلاق مضيق هرمز سيلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد الإيراني بشكل سريع، ذلك أن طهران تُصدر 90 في المائة من نفطها عبر هذا الممر، كما أن اضطراب صادراتها سيخلق مشكلة حقيقية للصين باعتبارها أكبر مشترٍ للخام الإيراني.

هذا ما يجعل ورقة الإغلاق، وفق هذا المنطق، “سلاحا ذا حدّين” تبدو طهران مُحجمة عن استخدامه بالكامل.

وفي هذا الصدد، أشار مصدر خليجي، وفق ما نقله الموقع الإعلامي “The Conversation”، إلى أن تعطيل الحرس الثوري للملاحة عبر مضيق هرمز “لن يكون له مفعول قوي، لأنه يتم عبر مراكب حربية صغيرة يمكن للبحرية الأمريكية التصدي لها”.

في هذا الإطار، تبرز الطرق البديلة، وإن ظلّت محدودة. فبعض دول الخليج أنشأت بنية تحتية ضخمة لنقل النفط والغاز عن طريق البر لضمان تدفق إمدادات الطاقة؛ إذ يمتد في الإمارات خط “حبشان-الفجيرة” من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان مباشرة إلى المحيط الهندي دون المرور بهرمز، فيما تمتلك السعودية خط “شرق-غرب” البالغ طوله 746 ميلا بطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يوميا نحو ساحل البحر الأحمر.

وتقدّر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الطاقة البديلة المتاحة عبر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية بنحو 2.6 مليون برميل يوميا؛ أي ما لا يتجاوز 13% مما كان يعبُر المضيق في المتوسط.

وأيّا يكن الأمر بين السيناريوهين، تترسخ مع الحرب الحالية حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: “هرمز” ليس مجرد ممر بحري؛ إنه قلب تجارة الطاقة العالمي، وتوقف الملاحة فيه يعني تقليص الإمدادات إلى آسيا وأوروبا، وزيادة تكلفة الشحن وتأمين الناقلات، واضطرابا في سلاسل الإمداد على مستوى العالم.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى

error: Content is protected !!