يتصاعد في الفترة الأخيرة تداول روايات تفيد بأن الجزائر تتجه إلى التخلي عن أنبوب ترانسماد الذي يمر عبر تونس نحو إيطاليا، غير أن التمحيص في المعطيات التقنية والاقتصادية يكشف أن هذه الفرضية مبالغ فيها ولا تستند إلى مؤشرات رسمية أو قرارات معلنة، فالأمر في حقيقته يتعلق بتحول أعمق في سياسات الطاقة لدى الجزائر يقوم على تنويع مسارات التصدير وتقليص المخاطر الجيوسياسية وليس القطيعة مع المسارات القائمة، إذ يظل هذا الأنبوب الذي دخل الخدمة منذ ثمانينات القرن الماضي أحد الأعمدة الأساسية لتزويد أوروبا بالغاز الجزائري بطاقة تناهز 30 مليار متر مكعب سنويًا، كما يمثل منظومة تشغيل مشتركة بين سوناتراك الجزائرية و ايني الإيطالية إلى جانب هياكل تشغيل داخل تونس مثل سارغاز، وهو ما يجعل أي قرار بالتخلي عنه مسألة معقدة ومكلفة تقنيًا وماليًا ولا يمكن أن يتم بشكل فجئي أو أحادي،
في المقابل تعمل الجزائر بالفعل على تطوير بدائل ومشاريع موازية سواء عبر إحياء مشاريع قديمة مثل غلاسي أو عبر رهانات أكبر مثل أنبوب الصحراء نحو أوروبا، غير أن هذه المشاريع ما تزال في مراحل متفاوتة من الدراسة أو التنفيذ ولا توفر في المدى القريب بديلاً جاهزًا يعوض ترانسماد، وهو ما يفسر استمرار الاعتماد عليه بل وتعزيز تدفقاته في إطار الشراكة المتنامية بين الجزائر وإيطاليا، حيث شهدت السنوات الأخيرة اتفاقيات لرفع كميات الغاز المصدرة واستثمارات بمليارات الدولارات في الإنتاج والبنية التحتية، وهو اتجاه يؤكد أن المسار التونسي لا يزال جزءًا من معادلة الأمن الطاقي الأوروبي،
لكن في المقابل تكشف هذه التحولات عن إشكال آخر أكثر حساسية يتعلق بموقع تونس داخل هذه المنظومة، فبينما تتحرك الجزائر وإيطاليا بسرعة لتأمين مصالحهما وتعزيز شراكتهما، يلاحظ غياب نسبي للوضوح في الرؤية التونسية، سواء من حيث الأرقام الفعلية للعائدات أو من حيث خطة الدولة لما بعد سنة 2029 التي ينتهي فيها عقد استغلال الأنبوب، كما أن الهياكل المعنية مثل (الشركة التونسية للكهرباء والغاز) أو الشركات المشرفة على العبور لا تنشر معطيات مفصلة للعموم، وهو ما يفتح المجال أمام التأويلات والاتهامات، خاصة تلك التي تربط بين احتمال تراجع دور تونس وبين شبهات فساد أو سوء حوكمة داخل بعض مفاصل القطاع،
غير أن هذه الاتهامات، رغم خطورتها، تظل إلى حد الآن دون سند موثق أو تحقيقات رسمية منشورة، وهو ما يضعها في خانة الفرضيات غير المؤكدة، لكن في الوقت نفسه لا يلغي الحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية والتدقيق، لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في وجود قرار جزائري بالتخلي عن تونس من عدمه،
بل في قدرة تونس على الحفاظ على موقعها التفاوضي وتحويل دورها من مجرد بلد عبور إلى شريك فعلي في منظومة الطاقة، خاصة في ظل تصاعد المنافسة بين المسارات وتغير قواعد اللعبة الطاقية في حوض المتوسط، وبالتالي فإن الخطر لا يتمثل في سيناريو مفاجئ لإقصاء تونس، بل في احتمال تراجع تدريجي لدورها إذا لم يتم تدارك النقائص المرتبطة بالبنية التحتية والاستثمار والحوكمة،
وفي هذا السياق تكتسي الإشارة إلى المشاريع البديلة أهمية خاصة لأنها تعكس منطقًا استراتيجيًا مختلفًا، فمشروع أنبوب الصحراء الرابط بين نيجيريا والجزائر، بقدرة متوقعة تصل إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنويًا، يهدف أساسًا إلى جلب غاز إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا وليس إلى تعويض المسارات الحالية، كما أن المشاريع الجديدة نحو إيطاليا مثل GALSI Pipeline Project ما تزال في طور الدراسة أو الإحياء ولم تدخل حيز التنفيذ الفعلي، وهو ما يؤكد أن ما يحدث اليوم هو تنويع استراتيجي للمنافذ وليس “هروبًا” من تونس، بل إعادة ترتيب للأولويات في سوق طاقة يتغير بسرعة.

