تعيش عائلات المرضى في جزيرة جربة على وقع حالة من القلق والترقّب، إثر تداول أنباء غير مؤكدة حول إمكانية رفض انتداب طبيبة مختصة في الأمراض السرطانية، كرّست مسيرتها المهنية لخدمة القطاع العمومي وارتبط اسمها بتخفيف معاناة عشرات المرضى في الجهة.
ومنذ تخرجها، اختارت الدكتورة -س- أن تضع كفاءتها في خدمة المرفق العمومي، رافضةً التوجه نحو القطاع الخاص، في وقت يشهد فيه اختصاص علاج الأورام نقصًا ملحوظًا في عدد الإطارات الطبية. وقد واصلت عملها المتفاني داخل المستشفى الجهوي الصادق المقدم بجربة، حيث ساهمت بشكل لافت في تقريب خدمات علاج السرطان من المرضى، بعد أن كانت هذه الفئة تضطر إلى التنقل نحو صفاقس أو العاصمة تونس.
هذا التحول لم يكن مجرد تحسين في الخدمات الصحية، بل مثّل، وفق شهادات عدد من الأهالي، انفراجًا إنسانيًا عميقًا، إذ خفّف عن المرضى وعائلاتهم أعباء السفر الطويل وما يرافقه من إرهاق نفسي وبدني وتكاليف مادية باهظة، خاصة في ظل هشاشة الوضعيات الاجتماعية لعدد كبير منهم.
وفي ظل الأنباء المتداولة، عبّر عدد من متساكني الجهة عن حيرتهم وقلقهم، معتبرين أن فقدان هذه الطبيبة سيعيدهم إلى “نقطة الصفر”، وقد يدفع مجددًا بالمرضى إلى معاناة التنقل والعلاج بعيدًا عن محيطهم العائلي. كما أفاد بعضهم بنيته مراسلة وزارة الصحة، في محاولة للحصول على توضيحات رسمية وطمأنة الرأي العام المحلي.
ورغم أن الخبر لا يزال في دائرة غير المؤكد، فإن مصادر مطلعة تستبعد اتخاذ قرار من هذا القبيل، خاصة في ظل توجه الدولة نحو دعم اللامركزية الصحية وتقريب الخدمات الطبية من مختلف مناطق الجمهورية، بما يضمن العدالة في النفاذ إلى العلاج.
في الأثناء، يترقب أهالي جربة خطوة رسمية واحدة كفيلة بإنهاء حالة الغموض، تتمثل في تثبيت الوضعية المهنية للدكتورة سارة، التي ما تزال متمسكة بقناعة راسخة: خدمة المرضى من داخل القطاع العمومي، رغم ما يواجهه من تحديات متراكمة.
وبين الخوف من فقدان طبيبة أصبحت جزءًا من يومياتهم، والأمل في قرار يُنصف مجهودها، تبقى إنسانية الحكاية هي العنوان الأبرز… حكاية طبيبة اختارت البقاء، ومرضى يتشبثون بها كخيط أمل في معركة لا تحتمل الانتظار.
** تعاني المستشفيات العمومية في تونس من أزمة خانقة في علاج الأمراض السرطانية، تتمثل في اكتظاظ شديد، نقص حاد في أدوية العلاج الكيميائي، وطول فترات الانتظار للمواعيد (أشعة، جراحة، تحليل). يسجل سنوياً أكثر من 20 ألف إصابة جديدة، مما يضع ضغطاً هائلاً على مراكز محدودة (مثل معهد صالح عزيز) وتمركز الخدمات في العاصمة، مسبباً “موتاً بطيئاً” للمرضى بسبب تأخر العلاج.

