أحوال الطقس
أكد الخبير البيئي حمدي حشاد أن منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك تونس، تشهد تطورًا جويًا لافتًا يتمثل في تشكّل غير مألوف للتيار النفاث، وصفه خبراء الأرصاد بأنه يأخذ شكلًا بيضويًا شديد التماثل، في ظاهرة نادرة تعكس تعقيدًا متزايدًا في ديناميكيات الغلاف الجوي.
وفي هذا السياق، أعلنت Met Office تسمية المنخفض الجوي النشط جنوب إيطاليا باسم Erminio، في مؤشر على تحوله إلى نظام جوي واسع التأثير يمتد على نطاق إقليمي يشمل جنوب أوروبا والضفة الجنوبية للمتوسط.
كتل هوائية متضادة وظروف مثالية للعواصف
وفق المعطيات العلمية، يرتبط هذا الاضطراب بعدة عوامل متداخلة، أبرزها تمركز منخفض جوي في الطبقات العليا (500 هكتوباسكال)، بالتزامن مع تباين حراري حاد بين كتل هوائية باردة قادمة من أوروبا وسطح متوسطي دافئ.
هذا التباين يخلق بيئة مثالية لتشكل السحب الركامية، خاصة مع توفر رطوبة عالية، ما يعزز من احتمالات نشوء عواصف رعدية عميقة، مصحوبة بأمطار غزيرة في فترات زمنية قصيرة ونشاط برق كثيف.
من اضطراب محلي إلى نظام منظم
العاصفة Erminio بدأت بنشاط رعدي متفرق، لكنها تتجه تدريجيًا نحو مزيد من التنظيم، مع توقع اندماج الخلايا الرعدية لتتحول إلى حالة مطرية أكثر استمرارية وانتشارًا، خاصة مع منتصف الأسبوع، إضافة إلى رياح قوية قد ترفع من مستوى التأثيرات المحلية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لتونس؟
رغم أن التأثير المباشر قد يكون محدودًا، إلا أن تونس تبقى ضمن نطاق التفاعلات الجوية شمال–جنوب، وهو ما قد يترجم ميدانيًا إلى:
- تقلبات سريعة في الطقس
- تفاوت ملحوظ في درجات الحرارة بين الليل والنهار
- عودة السحب الرعدية خاصة في الشمال والمرتفعات الغربية
- اضطرابات محلية مفاجئة (أمطار قصيرة لكنها كثيفة أو رياح نشطة)
كما تبقى المدن الساحلية، مثل تونس الكبرى وبنزرت وصفاقس، عرضة لسيناريوهات مركبة، حيث قد تتزامن الأمطار مع رياح بحرية قوية، ما يزيد من مخاطر التجمعات المائية والضغط على البنية التحتية.
“لاموسمية” متزايدة ومخاطر مركزة
اللافت أن هذه الظواهر تندرج ضمن ما يُعرف بـ“اللاموسمية”، أي تسجيل اضطرابات جوية خارج الفترات المناخية المعتادة. وقد شهدت تونس في السنوات الأخيرة حالات مماثلة سجلت خلالها كميات أمطار قياسية في ظرف وجيز، بلغت أحيانًا بين 30% و50% من المعدل الشهري خلال أقل من 48 ساعة.
مؤشر على تحولات مناخية أعمق
هذا النمط، رغم أنه ليس جديدًا، أصبح أكثر تكرارًا، خصوصًا مع بروز ما يُعرف بالأنظمة الجوية “الهجينة” التي تجمع بين الخصائص الرعدية والجبهية، وتتميز بسرعة التطور وقدرتها على إحداث تأثيرات قوية في وقت قصير.
وفي المحصلة، يقول حشاد لا تمثل العاصفة Erminio مجرد حالة جوية عابرة، بل تعكس تحوّلًا أعمق في مناخ البحر الأبيض المتوسط، حيث تتزايد تعقيدات التفاعلات الجوية، ما يستدعي تعزيز أنظمة الإنذار المبكر ورفع جاهزية البنية التحتية لمواجهة الظواهر القصوى.

