كشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في أحدث بياناتها أن الاحترار العالمي يشهد تسارعًا غير مسبوق، مع انعكاسات مباشرة وخطيرة على القطاع الزراعي والأمن الغذائي، وذلك استنادًا إلى تحليل شمل تطور درجات الحرارة على اليابسة بين 1961 و2025 في 197 دولة و31 إقليمًا.
وأظهرت المعطيات أن متوسط درجات الحرارة على اليابسة ارتفع بنحو 2.1 درجة مئوية مقارنة بالفترة المرجعية (1951–1980)، وهو ما يعكس تحولات عميقة في التوازنات المناخية التي تعتمد عليها الأنظمة الزراعية.
كما صُنّفت السنوات العشر الأخيرة كالأكثر حرارة على الإطلاق، في حين يعيش أكثر من 67% من سكان العالم في مناطق تجاوزت عتبة 1.5 درجة مئوية، وهي حد حرج في النقاشات المناخية الدولية.
وبحسب التقرير، فإن نحو 73% من الأراضي الزراعية أصبحت تحت ضغط حراري متزايد، ما يهدد استقرار الإنتاج الغذائي ويزيد من هشاشة المنظومات الفلاحية، خاصة في المناطق الأكثر عرضة للتقلبات المناخية.
تونس ضمن مناطق الاحترار المرتفع
وفي قراءة للمعطيات على المستوى الوطني، تُظهر خرائط منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن تونس تُصنَّف ضمن المناطق التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة، يتراوح بين +2 و+2.5 درجات مئوية مقارنة بالفترة المرجعية، وهو مستوى مرتفع يضع البلاد ضمن الحزام المتوسطي الأكثر هشاشة مناخيًا.
وتؤكد هذه المؤشرات أن التغير المناخي لم يعد معطى عالميًا مجردًا، بل أصبح واقعًا يوميًا في تونس، يتجلى في تزايد موجات الحر، وطول فترات الجفاف، وتنامي الضغط على الموارد المائية، بما ينعكس مباشرة على الإنتاج الفلاحي.

تحولات هيكلية في الزراعة
وتشير هذه الأرقام إلى أن العالم يشهد تحولات هيكلية في النظم الزراعية، من أبرزها تراجع استقرار المواسم الفلاحية، وتزايد ندرة المياه، وتراجع الإنتاجية في عدد من المناطق، خاصة في البيئات الهشة.
وفي السياق المتوسطي، تتجسد هذه التحولات بشكل أوضح، حيث تتزايد وتيرة الظواهر المناخية القصوى، وهو ما يفرض تحديات متنامية أمام السياسات الفلاحية.
دعوة لإعادة صياغة السياسات
وفي قراءة لهذه المعطيات، أكد الخبير البيئي حمدي حشاد أن الأرقام الصادرة تمثل دليلًا واضحًا على أن التغير المناخي دخل مرحلة التأثير المباشر، مشددًا على ضرورة مراجعة السياسات الزراعية وأنماط إدارة الموارد الطبيعية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب اعتماد مقاربات جديدة في التخطيط الفلاحي والترابي، تقوم على التكيف مع التحولات المناخية وضمان استدامة الإنتاج الغذائي، خاصة في دول مثل تونس التي تواجه ضغوطًا مناخية متزايدة.
تؤكد بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن الاحترار العالمي لم يعد سيناريو مستقبليًا، بل واقعًا قائمًا بالأرقام، يفرض على الدول، وخاصة في المنطقة المتوسطية، التحرك السريع لحماية أمنها الغذائي في مواجهة تحديات مناخية متسارعة.

