أكدت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، أنها عاينت من مؤشرات خطيرة تعكس استمرار الحكومة في إعاقة أي مبادرة لإصلاح الإعلام وإصرارها على تطويع المشهد السمعي البصري وتوظيفه لفائدة أحزاب سياسية ولوبيات مالية استثمرت على غير وجه حق في الإعلام وتمكنت من التموقع في مؤسسات الدولة وتسيير دواليبها ورسم توجهاتها خدمة لأجندات خاصة.
وفي بيان لها اليوم الإثنين 01 فيفري 2021، عبرت الهايكا عن إدانتها الاعتداءات المتواترة على الصحفيين والصحفيات واعتبرتها حلقة من سلسلة المحاولات المكشوفة لتكميم الأفواه والاستحواذ على الفضاءات الإعلامية السمعية البصرية وتوظيفها في الدعاية والتضليل.
وشددت على أن استقلالية المؤسسات الإعلامية وحرية الصحفيين والصحفيات وسلامتهم خط أحمر، معلنة عدم قبولها لأي شكل من أشكال التوظيف التي من شأنها المس من مبادئ التعدد والتنوع باعتبارها حجر الزاوية في عمل جميع المؤسسات الإعلامية.
وفي هذا السياق حملت الهيئة، الحكومة مسؤولية عرقلة مسار إصلاح الإعلام العمومي وتعطيل معالجة ملفاته، وتدعوها إلى التعجيل في إجراءات تسمية رئيس مدير عام لمؤسسة الإذاعة التونسية في إطار الرأي المطابق للهيئة ووفق عقد أهداف ووسائل محدد المدة
ونبهت الهايكا إلى خطورة تداعيات هذا الفراغ في التأثير على نجاعة الإعلام العمومي ومدى قدرته على أداء وظائفه والاضطلاع بدوره.
كما انتقد البيان نهج الحكومة في التعامل مع ملف المؤسسات المصادرة، وقالت إنه يُشكل أحد المؤشرات الواضحة على تغليب المصالح الحزبية الضيّقة ومصالح لوبيات المال ومراكز الضغط على حساب الصالح العا.
وذكّرت في هذا المجال بقرار إلحاق إذاعة “الزيتونة للقرآن الكريم” بمؤسسة الإذاعة التونسية العمومية الذي تم اتخاذه منذ سنة 2017 إلا أن أحزابا متنفذة ضغطت في سبيل عدم تنفيذه.
وفي هذا الصدد دعت الهيئة الحكومة مجددا إلى تحمل مسؤوليتها في تفعيل هذا القرار والحيلولة دون تمكين هذه الأحزاب من وسائل إعلامية تموّل من المال العام.
كما أكدت الهيئة أن أسلوب التعتيم في التعاطي مع ملف إذاعة “شمس أف أم” المصادرة ومحاولة استكمال إجراءات التفويت فيها للقطاع الخاص بطريقة تفتقر للشفافية والوضوح من شأنه تحويل التساؤلات السابقة حول المغزى من استبعاد الهيئة من هذا المسار الى شبهات يؤكدها التوجّه العام للحكومة المرتهن لمراكز الضغط الحزبي والمالي.
ونبهت الهيئة الرأي العام إلى التوجهات الخطيرة المتعلقة بمشروع قانون الإعلام السمعي البصري، وعلى رأسها إفساح المجال للتمويل الأجنبي تحت غطاء “الاستثمار” في المؤسسات الإعلامية الوطنية الموجهة للجمهور التونسي، ‘وهو ما يجعلنا أمام نسخة جديدة من سيناريوهات التمكين في مجال الإعلام يبلغ، هذه المرة، حد الاستقواء بجهات أجنبية لإحداث تغييرات جذرية على مستوى المشهد السمعي البصري دون اعتبار لما يمكن أن يتضمنه ذلك من تهديد للسيادة الوطنية’.
وحملت الهيئة القضاء الإداري والعدلي المسؤولية في إحداث التوازن بين الهيئة والسلطة التنفيذية عبر فرض سلطة القانون وتدعو جميع المحاكم بمختلف اختصاصاتها للقيام بدورها واستعجال البت في القضايا المتعلقة بقطاع الإعلام، ونبهت في هذا السياق، إلى أن خضوع الحكومة واصطفافها لصالح أصحاب المؤسسات الإعلامية المتحزبة المارقة عن القانون يشكل خطرا على مؤسسات الدولة ومستقبل الانتقال الديمقراطي، وهو ما أكدته مؤخرا تقارير محكمة المحاسبات.
ودعت الهيئة هياكل المهنة ومكونات المجتمع المدني وكل القوى الديمقراطية للالتفاف حول حماية الدولة المدنية وسيادة القانون في تونس والدفاع عن حريّة التعبير والصحافة ودعم الهيئة للقيام بدورها واستكمال عرض مشروع قانون حرية الاتصال السمعي البصري أمام مجلس النواب وفق المعايير الدولية والقيم الديمقراطية.

