يُظهر باروميتر الحجوزات السياحية الصادر عن Orchestra لشهر مارس 2026 صورة مقلقة بالنسبة لتونس، رغم تموقعها المتقدم ضمن أبرز الوجهات العالمية. فقد جاءت تونس في المرتبة الثالثة ضمن أفضل 20 وجهة سياحية، خلف إسبانيا وفرنسا، وهو ترتيب يعكس استمرار جاذبية الوجهة التونسية في السوق الأوروبية، إلا أن هذا المؤشر الكمي يخفي تراجعًا حادًا في الأداء.
وفق المعطيات، سجلت تونس انخفاضًا لافتًا في حجم الحجوزات بنسبة -25.7% مقارنة بشهر مارس 2025، وهو تراجع يفوق بكثير الانخفاض المسجل في وجهات منافسة متوسطية مثل إيطاليا (-2.8%) أو إسبانيا (-2.9%)، ويقترب من مستويات التراجع الحاد المسجلة في اليونان (-27.6%). هذا التراجع يضع تونس ضمن أكثر الوجهات تأثرًا داخل الحوض المتوسطي خلال هذه الفترة.
ولا يقتصر الأمر على عدد الحجوزات فقط، بل يشمل أيضًا تراجعًا في مؤشر الإنفاق، حيث انخفض “متوسط السلة” بنسبة -2.9%، في حين سجلت وجهات منافسة زيادات واضحة، مثل فرنسا (+6.9%) والبرتغال (+5.8%). هذا المعطى يعكس إشكالًا مزدوجًا: تراجع الطلب من جهة، وضغطًا على الأسعار أو جودة العرض من جهة أخرى.
في المقابل، تكشف المقارنة الدولية عن تحولات لافتة في السوق السياحية، حيث سجلت وجهات صاعدة مثل ألبانيا نموًا استثنائيًا (+221.6%)، إلى جانب تحسن ملحوظ في وجهات بعيدة مثل اليابان (+20.6%) وكندا (+9.4%)، وهو ما يعكس تغيرًا في توجهات السياح الأوروبيين نحو تجارب جديدة أو بدائل أقل تقليدية.
أما في المنطقة، فإن أداء المغرب (-11.6%) ومصر (-69%) يظهر أن التراجع ليس حكرًا على تونس، لكنه أكثر حدة في بعض الحالات، خاصة بالنسبة لمصر التي شهدت انهيارًا كبيرًا في الطلب.
قراءة هذه الأرقام من زاوية تونس تطرح عدة فرضيات: أولها تأثير المنافسة المتزايدة داخل المتوسط، وثانيها محدودية تجديد العرض السياحي، وثالثها حساسية السوق الأوروبية للظرف الاقتصادي العام. كما تعكس تراجع القدرة على الحفاظ على مستوى الإنفاق، وهو عنصر حاسم في مردودية القطاع.
ورغم هذا التراجع، فإن تموقع تونس في المرتبة الثالثة عالميًا يؤكد أن الوجهة لا تزال حاضرة بقوة في اختيارات السياح، ما يعني أن الإشكال ليس في الجاذبية بقدر ما هو في تحويل هذه الجاذبية إلى طلب فعلي مستقر وعائدات أعلى. وبالتالي، فإن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في استرجاع نسق الحجوزات، بل في إعادة تموقع تونس داخل السوق السياحية العالمية عبر تحسين الجودة، تنويع المنتوج، ورفع القيمة المضافة للسائح.


