في صباح 6 أفريل 2000، استيقظ التونسيون على خبر وفاة الزعيم المؤسس الحبيب بورقيبة. كان الحدث تاريخيًا بكل المقاييس، لكن ما رافقه إعلاميًا ظلّ لسنوات لغزًا يثير التساؤلات: لماذا غابت الصورة؟ ولماذا لم تُنقل جنازة رجل بحجم بورقيبة كما يليق برمزيته؟
بحسب شهادة السيد الصادق بوعبان مدير سابق للتلفزة، فإن المؤسسة كانت على علم بأن بورقيبة يمر بأيامه الأخيرة، وقد انطلقت الاستعدادات مبكرًا بإشراف المدير العام آنذاك فتحي الهويدي، حيث تم تجهيز تلاوات قرآنية تكفي لأسبوع حداد، وإعداد شريط وثائقي حول مسيرته، إلى جانب وضع خطة بث استثنائية تشمل انطلاق الإرسال في توقيت مبكر، وإرسال حافلة بث مباشر إلى المنستير لنقل مراسم الجنازة، مع إبقاء فريق الأخبار في حالة تأهب قصوى.
غير أن ما حدث يوم الوفاة خالف كل التوقعات، إذ لم تصل أي صور من المنستير إلى مقر التلفزة، وعند الاتصال بالفريق الميداني جاءت الإجابات مرتبكة وغامضة. ورغم ذلك، واصلت القناة تنفيذ البروتوكول المعدّ سلفًا، قبل أن تتلقى تعليمات مفاجئة غيّرت مجرى البث.
وفقالسيد بوعبان، صدرت تعليمات من عبد الوهاب عبد الله تقضي باستبدال التلاوة القرآنية بسلامية، ثم تعديلها لتكون دون بنادر، غير أن أرشيف المؤسسة لم يكن يحتوي على المادة المطلوبة، ما اضطر الفريق إلى بث وثائقيات وبرامج ثقافية لسدّ الفراغ، وهو ما أدى إلى ارتباك واضح في البث وأثار استياءً واسعًا لدى المشاهدين.
تزامنت هذه التطورات مع إعفاء المدير العام فتحي الهويدي، في وقت لم يكن فيه خليفته رؤوف الباسطي قد باشر مهامه بعد، ما خلق حالة فراغ في القرار داخل المؤسسة، وجعل إدارة القناة في مواجهة مباشرة مع السلطة السياسية. في المقابل، قدّمت الرواية الرسمية تفسيرًا مختلفًا، حيث صرّح عبد الوهاب عبد الله لصحيفة “لابراس” بأن التلفزة التونسية لا تمتلك الإمكانيات التقنية لنقل الجنازة، وهو ما بدا متناقضًا مع المعطيات المتوفرة داخل المؤسسة، خاصة مع التأكيد على جاهزية حافلة البث ووجود فريق ميداني في المنستير.
هذا التباين بين الروايتين ازداد وضوحًا عندما طُرح الموضوع على الساحة الإعلامية الدولية، حيث وجد السفير التونسي في باريس آنذاك المنجي بوسنينة نفسه مطالبًا بتفسير غياب النقل المباشر خلال برنامج تلفزي، ليكتفي بالإشارة إلى “احترام مشاعر التونسيين”، وهي إجابة لم تُقنع كثيرين.
في الأثناء، أُقيمت جنازة الحبيب بورقيبة في المنستير بحضور رسمي محدود ودون التغطية التي كان ينتظرها التونسيون، لتتحول تلك اللحظة إلى إحدى أبرز المحطات الدالة على طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة في تونس خلال فترة حكم زين العابدين بن علي.
أن جنازة بورقيبة لم تكن مجرد حدث جنائزي، بل لحظة سياسية بامتياز كشفت حدود الصورة في زمن كانت فيه الكاميرا تُدار من خارج الاستوديو.


