كشف تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لسنة 2025 عن استمرار الارتفاع العالمي في الإنفاق العسكري للسنة الحادية عشرة على التوالي، حيث بلغ إجمالي الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار، بزيادة 2.9% مقارنة بعام 2024، فيما بلغت نسبة “العبء العسكري” 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي الأعلى منذ سنة 2009.
وفي إفريقيا، ارتفع الإنفاق العسكري إلى 58.2 مليار دولار خلال سنة 2025، بزيادة 8.5%، وسط تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار سباقات التسلح، خاصة في شمال القارة. وتصدرت الجزائر القائمة الإفريقية بميزانية دفاع بلغت 25.4 مليار دولار، تلتها المغرب التي واصلت رفع ميزانيتها العسكرية بنسبة 6.6% مقارنة بعام 2024، في ظل استمرار التوتر السياسي والعسكري حول ملف الصحراء.
الجزائر والمغرب… سباق تسلح مفتوح
الجزائر رفعت إنفاقها العسكري بنسبة 11% خلال عام واحد فقط، لتصبح الأولى إفريقيا دون منازع، بينما يواصل المغرب تعزيز ترسانته الدفاعية بشكل متسارع، ما يعكس تحوّل المنطقة المغاربية إلى واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية من حيث التوازنات العسكرية.
هذا السباق لا يرتبط فقط بالحدود التقليدية، بل يتصل أيضًا بالتحالفات الدولية، وصفقات التسليح الكبرى، وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل.
تونس… خارج سباق المليارات
في المقابل، تبدو تونس بعيدة عن هذا السباق. فبحسب بيانات » سيبري » المعتمدة عبر قاعدة البنك الدولي ومؤشرات المتابعة الاقتصادية، بلغ الإنفاق العسكري التونسي سنة 2024 نحو 1.31 مليار دولار، مقابل 1.20 مليار دولار سنة 2023، أي بزيادة تقارب 8.7%، لكنه يبقى بعيدًا جدًا عن المستويات الجزائرية والمغربية.
كما بلغ الإنفاق العسكري التونسي نحو 2.35% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مستقرة نسبيًا مقارنة بسنوات ما بعد 2015، حين تصاعدت التهديدات الإرهابية والضغوط الأمنية على الحدود.
مقارنة بالأرقام
- الجزائر: 25.4 مليار دولار
- المغرب: الثانية إفريقيًا مع زيادة 6.6%
- تونس: 1.31 مليار دولار تقريبًا
بمعنى آخر، تنفق الجزائر وحدها ما يقارب 19 ضعف الإنفاق العسكري التونسي، وهو فارق يعكس اختلافًا جذريًا في العقيدة الدفاعية، لا مجرد تفاوت اقتصادي.
لماذا لا تدخل تونس سباق التسلح؟
العقيدة العسكرية التونسية تاريخيًا تقوم على مفهوم “الجيش الجمهوري” أكثر من منطق الردع الإقليمي أو التوازن العسكري مع الجوار. الأولويات الأساسية تبقى:
- تأمين الحدود مع ليبيا والجزائر
- مكافحة الإرهاب والخلايا المسلحة
- مراقبة السواحل والهجرة غير النظامية
- تحديث محدود للتجهيزات دون صفقات تسلح ضخمة
كما أن الوضع المالي والضغوط الاقتصادية يجعل من الصعب تخصيص ميزانيات ضخمة للتسلح، خاصة في ظل أولويات اجتماعية ملحّة تتعلق بالدعم والصحة والتشغيل.
الأمن الهادئ بدل سباق السلاح
بينما تتجه الجزائر والمغرب نحو تعزيز الردع الاستراتيجي وفرض التوازنات العسكرية، تراهن تونس على نموذج مختلف يمكن وصفه بـ”الأمن الوظيفي”، أي الحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية الحدود دون الانخراط في سباق تسلح إقليمي مكلف.
وهنا تكمن خصوصية التجربة التونسية: دولة لا تبحث عن التفوق العسكري، بل عن الاستقرار السياسي والأمني، في منطقة تتزايد فيها كلفة السلاح أكثر من كلفة السلام.

