الرئيسيةآخر الأخبارمحضر جلسة يكشف عن مفارقة صادمة: الخطوط التونسية تؤجر محركاتها و تستأجر...

محضر جلسة يكشف عن مفارقة صادمة: الخطوط التونسية تؤجر محركاتها و تستأجر طائرات

في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها شركة الخطوط التونسية، تتكشف مفارقة لافتة: طائرات رابضة على مدرج مطار تونس قرطاج الدولي بسبب نقص المحركات، في مقابل قرار رسمي يقضي بكراء محركات مملوكة للشركة لفائدة شركة الطيران الأمريكية دلتا ايرلاينز.

هذه الوضعية، التي تعود جذورها إلى سنوات من التراكمات المالية والتقنية، تطرح اليوم أسئلة جدية حول جدوى الخيارات المتخذة داخل هياكل القرار في الشركة، وحول من يتحمل كلفة ما يوصف بسوء التصرف.

وفق محضر جلسة مجلس إدارة شركة تونسير تيكنيكس عدد 79، المنعقد يوم 31 جويلية 2023، صادق الأعضاء بالإجماع على كراء أربعة محركات من نوع سي أف أم 56-5أ لفائدة شركة دلتا ايرلاينز لمدة ثلاث سنوات.

وينص الاتفاق على:

  • دفع مبلغ 13 مليون دولار أمريكي مسبقاً
    • 10.5 لشركة كندية مختصة في صيانة وكراء محركات الطائرات مليون دولار لتسوية ديون شركة الكندية
    • 2.5 مليون دولار لفائدة تونسير
  • اعتماد نموذج كراء مزدوج:
    • جزء ثابت (معاليم يومية)
    • جزء متغير مرتبط بساعات الطيران ودورات التشغيل
  • التزام دلتا ايرلاينز بإرجاع المحركات مباشرة إلى تونسير عند نهاية مدة الكراء

ويأتي هذا القرار في سياق نزاع قضائي ومالي متواصل منذ سنوات مع الشركة الكندية ، التي كانت تحتفظ بالمحركات في كندا بسبب ديون غير مسددة.

الأصل: أزمة ممتدة منذ 2020

تعود جذور الأزمة إلى ما لا يقل عن ثلاث سنوات قبل اتخاذ القرار، حيث ظل ملف المحركات المحتجزة أحد أبرز النقاط المدرجة في اجتماعات مجالس الإدارة منذ 2020.

وكانت تونسير عاجزة عن تعبئة التمويلات اللازمة لاسترجاع هذه المحركات، ما أدى إلى فشل اتفاق سابق مع الطرف الكندي، ودفع نحو البحث عن حلول بديلة، من بينها خيار الكراء.

في الأثناء، تبنت الشركة سياسة تجديد أسطولها، مع التركيز على طائرات أحدث من طراز أ320 نيو وسيو ، بمتوسط عمر لا يتجاوز 10 سنوات، وهو ما اعتُبر مبرراً للتخلي التدريجي عن المحركات القديمة.

رغم هذا التوجه، تؤكد معطيات ميدانية أن عدداً من طائرات تونسير ظل خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في مواسم الذروة الصيفية، خارج الخدمة بسبب نقص المحركات أو تأخر عمليات الصيانة الثقيلة.

وقد اضطرت الشركة، بشكل شبه سنوي، إلى:

  • كراء طائرات أجنبية وفق نظام التأجير الشامل ( طاقم الطائرة كاملا ) لتأمين الرحلات
  • تحمل كلفة تشغيلية مرتفعة مقارنة باستغلال أسطولها الخاص
  • مواجهة انتقادات متكررة من المسافرين بسبب التأخير والاضطرابات

وهو ما يعمق المفارقة:

شركة تكرِي محركاتها للخارج، وفي نفس الوقت تكرِي طائرات لتعويض نقص داخلي.

تبريرات رسمية: خيار مالي اضطراري

داخل مجلس الإدارة، تم تقديم عدة مبررات لهذا القرار، من أبرزها:

  • عدم توفر السيولة اللازمة لاسترجاع المحركات من كندا
  • قدم هذا النوع من المحركات وخروجه التدريجي من الخدمة عالمياً
  • ارتفاع كلفة صيانتها مقارنة بعائد استغلالها
  • الحاجة العاجلة لتسوية النزاع القضائي وتفادي خطايا قد تصل إلى 18 مليون دولار

كما اعتُبر الدفع المسبق من دلتا اريلاينز بمثابة متنفس مالي يساهم في تخفيف الضغوط على خزينة الشركة.

أسئلة مفتوحة: من يتحمل المسؤولية؟

رغم هذه التبريرات، يطرح مراقبون وخبراء في قطاع النقل الجوي جملة من التساؤلات الجوهرية:

  • لماذا لم يتم استباق الأزمة وتأمين المحركات قبل تفاقم النزاع مع الطرف الكندي؟
  • هل تم تقييم الكلفة الحقيقية لكراء الطائرات سنوياً مقابل استرجاع المحركات واستغلالها؟
  • من صاغ الخيارات الاستراتيجية التي أدت إلى هذه المفارقة التشغيلية؟
  • وهل تخضع قرارات الشركة لمنطق اقتصادي بحت أم لضغوط ظرفية؟

بين الضرورة وسوء الحوكمة

يرى متابعون أن ما يحدث داخل الخطوط التونسية لا يمكن اختزاله في قرار معزول، بل يعكس إشكالية هيكلية في الحوكمة والتخطيط، حيث تتداخل الضغوط المالية مع غياب رؤية طويلة المدى.

وفي ظل استمرار الاعتماد على كراء الطائرات خلال كل موسم صيفي، مقابل التفريط المؤقت في أصول استراتيجية مثل المحركات، تتعزز الانطباعات بأن الشركة تدير أزماتها بمنطق ردّ الفعل، لا بمنطق الاستباق.

قرار كراء المحركات في 31 جويلية 2023 قد يكون، في ظاهره، حلاً مالياً لتسوية نزاع ثقيل الكلفة، لكنه في عمقه يعكس تناقضاً صارخاً في إدارة الموارد داخل الناقلة الوطنية .

وبين طائرات متوقفة على المدارج ومحركات تعمل في أساطيل أجنبية، يبقى السؤال الأبرز:

هل هي ضرورة فرضتها الأزمة، أم نتيجة مباشرة لسوء إدارة مزمن؟

يعتمد نجاح أي شركة طيران على عدة ركائز أساسية: توفر أسطولها، التحكم في التكاليف، مرونة الإجراءات، إضافة إلى القدرة على اتخاذ القرارات في الوقت المناسب. .

اليوم، تثير وضعية الشركة الوطنية العديد من التساؤلات. إذ إن الإدارة الحالية، تطرح علامات استفهام بشأن خبرة أصحاب القرار في مجال الطيران وحوكمة شركات النقل الجوي، في سياق بالغ التعقيد.

وتحت غطاء مكافحة الفساد على أهميته ، يبدو أن الاستراتيجية الحالية تركز على فتح ملفات قضائية، على حساب القيام بإعادة هيكلة عميقة للشركة. في حين أن هذه الأخيرة تبقى أساسية لإنقاذ الخطوط التونسية، وخاصة عبر إعادة تشغيل الطائرات المتوقفة بمطار تونس قرطاج، كما تم الإعلان عنه سابقًا.

ومن جهة أخرى، تثير بعض القرارات التشغيلية تساؤلات. ففي الوقت الذي تمتلك فيه الخطوط التونسية محركات تمّت صيانتها لدى شركة “لوكهيد مارتن كندا” وهي متطابقة مع أسطولها المتوقف، قررت الشركة سنة 2023 تأجير هذه المحركات لشركة “دلتا إيرلاينز” لمدة ثلاث سنوات مقابل دفع مسبق بقيمة 13 مليون دولار. ورغم أن هذه العملية ساهمت في معالجة بعض الضغوط المالية الفورية، فإنها تتناقض مع اللجوء في الوقت نفسه إلى كراء طائرات خلال موسم الذروة، بتكاليف مرتفعة وبشروط مشابهة من حيث العمر والمواصفات التقنية.

وعليه، يبرز سؤال جوهري: لماذا يتم تفضيل حلول الكراء المكلفة في حين أن إعادة تأهيل الأسطول الحالي قد تمثل خيارًا أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية؟

كما تكشف الوضعية المالية للخطوط التونسية عن عوائق مقلقة. إذ لا تزال عقود بيع طائرات أبرمت سنة 2016 مع شركة “إفريكا أفييشن” الليبية غير مكتملة التنفيذ إلى اليوم. فمن أصل أربع طائرات من نوع بوينغ 737-500، تم تسليم وبيع اثنتين، بينما لا يزال تشغيلهما معطلًا بسبب عدم استكمال بعض الإجراءات الإدارية، خاصة الديوانية (عدم منح “رفع اليد” منذ 2016).

أما الطائرتان الأخريان فما تزالان في انتظار التسليم، ما حرم الشركة من مداخيل بالعملة الصعبة تُقدّر بملايين الدنانير، في ظرف مالي دقيق. وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة إدارة هذه الملفات.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، يبدو من الضروري تقديم قراءة موضوعية ودقيقة للوضع، تفاديًا لأي التباس لدى الرأي العام. وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج الخطوط التونسية إلى استراتيجية واضحة، وحوكمة ملائمة، وقرارات موجهة نحو إنعاشها، حتى تستعيد مكانتها كإحدى أهم شركات الطيران في إفريقيا.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى