تواصل في تونس جدل واسع حول تسمية شارع الحبيب بورقيبة: هل يُحافظ على اسمه التاريخي أم يُعاد تقديمه تحت مسمى «شارع الثورة»؟ وهو نقاش يتجاوز مسألة لافتة أو عنوان، ليعكس انقساماً أعمق في قراءة الذاكرة الوطنية ومسار ما بعد 14 جانفي 2011.وانطلق الخلاف مباشرة بعد الدعوة الى مسيرة شعبية يوم 10 جانفي تنطلق من مسبح البلفيدير نحو شارع الثورة حسب أصحاب الدعوة .
في هذا السياق، شدّد المحامي نافع العريبي على أن الانشغال بالخلافات الرمزية، مهما كانت وجاهتها، لا يجب أن يحجب القضايا الجوهرية المطروحة اليوم، وفي مقدمتها أوضاع الموقوفين، والانتهاكات الحقوقية، والمحاكمات التي يراها كثيرون مجحفة وغير عادلة. واعتبر أن تحويل تسمية شارع إلى معركة مركزية، في ظل هذا المناخ، يُمثّل انزلاقاً نحو “نقاش بيزنطي” يُهدر الجهد ويُشتّت البوصلة.
غير أن هذا الموقف لم يمرّ دون ردود وتفاعلات، عبّرت بدورها عن قراءات مختلفة للرمزية المطروحة.
فمن جهته، رأى منجي صواب، شقيق المحامي السجين أحمد صواب، أن موقف نافع العريبي اتسم بالوضوح والترفّع، لكنه أشار في الآن نفسه إلى أن اختيار لجنة التنظيم لتسمية «شارع الثورة» لا ينطلق من خلفية إيديولوجية، بقدر ما هو ردّ على ما يعتبره البعض تزييفاً لتاريخ 14 جانفي، وهو تاريخ يحمل دلالة عميقة لدى شريحة واسعة من التونسيين، تماماً كما يحمل تاريخ 18 جانفي رمزية نضالية مرتبطة بالحركة الوطنية. واعتبر أن هذه المحطات جزء لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية، ومن المشروع الوطني نفسه.
في المقابل، عبّرت نجاة شعلان عن موقف أكثر تحفّظاً تجاه تغيير التسمية، مؤكدة احترامها لمجهودات نافع العريبي، لكنها شدّدت على أن اسم الشارع هو تاريخياً «شارع الحبيب بورقيبة»، متسائلة عن جدوى ما وصفته بـ«النغزات» المتكررة لكل ما يتصل بالذاكرة الوطنية. وذهبت أبعد من ذلك بالقول إن ما جرى في 2011 لا تتوفر فيه، برأيها، مقومات الثورة بالمعنى التاريخي، معتبرة أن ما كُشف لاحقاً من معطيات، على غرار تصريحات هيلاري كلينتون، حسم الجدل في هذا الشأن. ودعت إلى وحدة وطنية صمّاء، رافضة منطق الضغينة أو نكران التاريخ.
أما نجاة عرعاري، فقد اعتبرت أن تدوينة نافع العريبي، رغم نواياها التوحيدية، قد تُفضي عملياً إلى مزيد من الانقسام وتقليص المجهود الجماعي. وأكدت أن أغلب منظمي المسيرة هم من الشباب المنتمين إلى جيل ما بعد 2011، ومن حقهم اختيار التسمية التي تعبّر عن وجدانهم ورؤيتهم. ولفتت إلى أن شخصية الحبيب بورقيبة، رغم أهميتها التاريخية ودورها المحوري في بناء دولة الاستقلال، لم تكن يوماً محل إجماع مطلق، في حين أن ما جمع التونسيين، في نظرها، هو نفس ثوري ورغبة مشتركة في التقدّم وعدم الارتهان للماضي. وخلصت إلى أن رمزية الثورة، بالنسبة لهذا الجيل، تتجاوز الأشخاص والأسماء.
بين هذه المواقف المتباينة، يظلّ السؤال الجوهري مطروحاً: هل يخدم هذا الجدل معركة الحرية والعدالة، أم يُزاحمها؟

