الرئيسية آخر الأخبار الداخلية ترد على فيديو الاعتداء.. لكن الأسئلة تتواصل

الداخلية ترد على فيديو الاعتداء.. لكن الأسئلة تتواصل

0
191

أثار البلاغ الأخير لوزارة الداخلية بشأن مقطع الفيديو المتداول الذي يوثق الاعتداء على عدد من المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء موجة من النقاش والجدل على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية والحقوقية. فبينما سعت الوزارة إلى التأكيد على تحرك الأجهزة الأمنية وكشفها لهوية المعتدين وإيقافهم، ركزت في المقابل على أن الحادثة تعود إلى خمس سنوات مضت وأن إعادة تداول الفيديو في هذا التوقيت ليست أمرا بريئا. غير أن هذا التمشي الاتصالي أثار تساؤلات حول أولويات الخطاب الرسمي وحدود التوازن بين معالجة الواقعة نفسها والتشكيك في سياق نشرها، وهو ما جعل البلاغ يتحول بدوره إلى موضوع للنقاش، لا يقل حضورا عن الحادثة التي صدر بشأنها.

من حيث المضمون، سعت وزارة الداخلية إلى تحقيق ثلاثة أهداف في بيان واحد. الهدف الأول هو التأكيد على أن الأجهزة الأمنية تحركت تلقائيا وأوقفت المشتبه بهم رغم عدم وجود شكاية، وهو ما يراد منه إبراز جاهزية الدولة للتدخل ضد الاعتداءات والعنف. أما الهدف الثاني فهو نزع الطابع الآني عن الفيديو المتداول من خلال التأكيد على أن الحادثة تعود إلى خمس سنوات مضت، بما يوحي بأن المقطع لا يعكس بالضرورة الوضع الراهن. ويتمثل الهدف الثالث في طمأنة الرأي العام الداخلي والخارجي عبر التشديد على التزام الدولة بحماية كرامة جميع المقيمين على التراب التونسي.

غير أن الجدل الذي أثاره البلاغ يعود أساسا إلى بعض النقاط التي تركت مجالا للتأويل. فالوزارة تحدثت عن « عناصر إجرامية » وعن إيقافها، لكنها لم تقدم تفاصيل إضافية حول نتائج الأبحاث أو الوضعية القانونية للموقوفين أو مآل القضية خلال السنوات الخمس الماضية. كما أن الإشارة إلى أن الفيديو تم ترويجه « من قارتين مختلفتين » بدت للكثيرين تفصيلا لافتا دون توضيح دلالته أو علاقته المباشرة بموضوع الاعتداء نفسه.

اتصاليا، يبدو أن البلاغ انتقل بسرعة من معالجة واقعة الاعتداء إلى التشكيك في توقيت نشر الفيديو. وهنا يكمن أحد أسباب الجدل. فجزء من الرأي العام اعتبر أن الأولوية كان يفترض أن تكون لإدانة الاعتداء بشكل أكثر وضوحا وتقديم معطيات أوفى حول الضحايا والمسار القضائي، قبل الانتقال إلى مسألة الترويج للفيديو أو خلفيات نشره. لذلك قرأ البعض البيان على أنه يركز على سياق نشر المقطع أكثر من تركيزه على مضمون الاعتداء الذي وثقه.

كما أن عبارة « محاولات التشويه والتوظيف » تظل عامة ولا تحدد بشكل دقيق المقصود بها. فهل المقصود جهات سياسية؟ أم منظمات؟ أم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هذا الغموض فتح الباب أمام قراءات متباينة، خاصة وأن البلاغ لم يقدم أدلة أو معطيات تدعم هذه الفرضية.

في المقابل، حاولت الوزارة في الفقرة الأخيرة تحقيق توازن سياسي وإنساني من خلال التأكيد على حماية حقوق وكرامة جميع الموجودين في تونس، مع إعادة التذكير بموقف الدولة من ملف الهجرة غير النظامية والدفع نحو العودة الطوعية للمهاجرين. غير أن الجمع بين موضوع الاعتداء العنصري المحتمل وملف الهجرة غير النظامية في الفقرة نفسها قد يثير بدوره نقاشا حول مدى ارتباط الملفين ببعضهما في هذا السياق.

خلاصة القول، فإن البلاغ نجح في إيصال رسالة مفادها أن السلطات الأمنية تحركت وأن الفيديو ليس حديثا، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إغلاق باب التساؤلات. بل إن تركيزه على توقيت الترويج للمقطع أكثر من تركيزه على تفاصيل الاعتداء وسياقه القانوني جعل جزءا من الجدل ينتقل من مضمون الفيديو إلى مضمون البلاغ نفسه. ومن هنا جاءت الانتقادات التي اعتبرت أن البيان، رغم وضوحه الأمني، بقي ناقصا من الناحية الاتصالية والإقناعية.