الرئيسية آخر الأخبار تقرير سويسري:كيف حاصرت الرخص الإدارية طاقات الشباب واحتكرت ثروة التونسيين؟

تقرير سويسري:كيف حاصرت الرخص الإدارية طاقات الشباب واحتكرت ثروة التونسيين؟

0
1688
الشباب
الشباب

تواجه تونس تحديات هيكلية متزايدة ومقلقة في بيئتها الاقتصادية والسياسية والتشريعية بعد أن سجلت تراجعات متتالية وهبوطاً حاداً في التصنيف العالمي لمؤشر جودة النخبة الصادر عن جامعة سانت غالن السويسرية العريقة بالتعاون مع كبريات المؤسسات البحثية الدولية والمنظمات الاقتصادية عبر العالم.

هذا المؤشر الدولي المعقد لا يقيس فقط نسب النمو التقليدية أو عجز الموازنات بل يمثل أداة قياس سوسيولوجية واقتصادية حديثة شديدة الحساسية لتحليل طبيعة العلاقة الرابطة بين النخب الحاكمة والاقتصاد والمجتمع، معتمداً في فلسفته الأساسية على تصنيف النخب المسيطرة إلى نوعين رئيسيين؛ نخب منتجة للقيمة وهي التي تدفع نحو الاستثمار الحقيقي والابتكار التكنولوجي وتحسين كفاءة المؤسسات وخلق فرص العمل المستدامة وتوسيع الطبقة الوسطى، ونخب استخراجية ريعية ترتبط بالاحتكار و الفساد المقنن وتوظيف السلطة والتشريعات والقوانين لتحقيق منافع فئوية وعائلية ضيقة على حساب المصلحة العامة للمواطنين ومقدرات الدولة.

وبالنظر المعمق إلى المسار الزمني والتحليلي لأرقام المؤشر الخاصة بتونس، نجد أن البلاد عاشت الصدمة التنافسية الهيكلية الكبرى في تصنيف عام ألفين وخمسة وعشرين حين خسرت سبعة عشر مركزاً كاملاً في خطوة واحدة لتشهد واحداً من أكبر الانهيارات الإقليمية وتهبط من المرتبة الثامنة والثلاثين إلى المرتبة مئة وتسع وعشرين عالمياً بسبب التغيرات السياسية العميقة وتشديد القيود الإدارية على مناخ الأعمال وضبابية الرؤية الاقتصادية الشاملة. 

وفي هذا السياق، استقرت تونس خلال هذا العام ألفين وستة وعشرين في المرتبة مئة وثلاثين عالمياً، مسجلة تراجعاً بمرتبة واحدة فقط مقارنة بالسنة الماضية ألفين وخمسة وعشرين التي احتلت فيها المرتبة مئة وتسعة وعشرين.

 هذا الاستقرار الملحوظ في أسفل الترتيب لا يعكس بأي حال من الأحوال مؤشراً إيجابياً أو بداية تعافٍ اقتصادي كما قد يتبادر للأذهان، بل يترجم من منظور التحليل المالي والسياسي حالة خطيرة من الركود التام والمراوحة في القاع، مما يؤكد أن مناخ الاستثمار الوطني لم يشهد أي تدهور حاد جديد يعصف بما تبقى منه ولكنه في المقابل عجز تماماً عن تحقيق أي إصلاحات جوهرية أو إطلاق برامج إنقاذ شجاعة أو تحرير حقيقي للأسواق يسمح للبلاد بالارتقاء مجدداً وتدارك الخسائر الكارثية السابقة التي سجلتها في الأعوام الماضية.

ويرجع خبراء الاقتصاد والباحثون في الحوكمة هذا التموقع المتأخر المستمر في ذيل القائمة الدولية إلى حزمة معقدة من العوامل المتداخلة والمتراكمة التي رصدتها بدقة عشرات المؤشرات الفرعية داخل التقرير، وعلى رأس هذه العوامل تراجع منسوب حرية السوق وغياب التنافسية الشريفة والعادلة نتيجة استمرار العمل بنظام الرخص الإدارية المسبقة والامتيازات الحصرية والامتيازات الجمركية التي تخدم اقتصاد الريع وتغلق الأسواق أمام جيل الشباب ورواد الأعمال والمؤسسات الناشئة، وهو ما يفسر بشكل مباشر تراجع تونس الصادم للمرتبة مئة وإحدى وأربعين عالمياً في معيار القيمة الاقتصادية المضافة والمستدامة.

يضاف إلى ذلك الترهل الإداري وبطء الرقمنة المؤسساتية الشاملة للمرافق العمومية وغياب الشفافية الكاملة في إسناد الصفقات الكبرى، مما عمق من مناخ عدم اليقين والخوف لدى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء وجعل رأس المال يفضل الهروب أو الخمول بدلاً من المخاطرة في بيئة تشريعية غير مستقرة.

ولم تقتصر تداعيات السلوك الاستخراجي للنخب على الجانب المالي بل امتدت لتضرب قطاعات البحث العلمي والابتكار وتطوير التكنولوجيا عبر تقليص الميزانيات والحوافز، مما حرم الاقتصاد التونسي من التجدد الهيكلي واللحاق بركب الثورة الرقمية العالمية ونتج عنه تسارع مخيف في ظاهرة الهجرة الجماعية للأدمغة والكفاءات والأطباء والمهندسين التونسيين نحو الخارج بحثاً عن بيئات عمل تقدر العطاء والابتكار وتوفر تكافؤ الفرص.

إن استمرار هذا المنحى التنازلي والركود في المراتب المتأخرة يحمل في طياته مخاطر جسيمة وغير مسبوقة على السلم الاجتماعي والمستقبل الاقتصادي للدولة التونسية، حيث يؤدي بشكل مباشر ومتسارع إلى جفاف ونفور الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تبحث دائماً عن دول تتسم بسيادة القانون والعدالة الاقتصادية والوضوح التشريعي، مما يحرم البلاد من العملة الصعبة وفرص العمل الجديدة.

وتؤكد تقارير اقتصادية محلية ودولية متطابقة أن انسداد الأفق أمام المبادرات الخاصة والتضييق على التمويل والمشاريع الصغرى يدفع قطاعاً واسعاً ومتزايداً من الشباب واليد العاملة نحو الارتماء في أحضان الاقتصاد الموازي والأسواق الرمادية والتهريب، مما يحرم ميزانية الدولة المثقلة بالديون من موارد جبائية وضريبية هامة ويدخل البلاد في حلقة مفرغة من العجز المالي.

وبناءً على كل هذه المعطيات المقلقة، يجمع المحللون على أن المخرج الحقيقي والوحيد لإنقاذ تونس يتطلب تخلي النخب الحاكمة عن العقلية الحمائية والذهاب فوراً نحو ثورة تشريعية جريئة تقطع مع الماضي وتلغي منظومة الرخص البيروقراطية بالكامل وتعوضها بكراسات شروط تضمن تكافؤ الفرص وتحرر الطاقات الإنتاجية لشباب البلاد وتدفع بالنخب نحو الإنتاج الحقيقي وخلق الثروة الوطنية المشتركة.

 ماذا يعني حصول تونس على درجة 40.0 والترتيب 141 عالمياً (من أصل 151 دولة) في هذا المعيار بالتحديد:

1. سيطرة اقتصاد الريع

  • المعنى المباشر: الترتيب المتأخر جداً (141) يعني أن النموذج الاقتصادي التونسي الحالي يقوم بشكل أساسي على « استخلاص القيمة » وليس « خلقها ».
  • التفسير: النخب الاقتصادية والشركات الكبرى تحقق أرباحها من خلال السيطرة على مسالك التوزيع، والامتيازات الحصرية، والرخص الإدارية، وليس من خلال التنافسية والابتكار.

2. غياب تكافؤ الفرص

  • المعنى المباشر: يظهر المؤشر أن الثروة المحققة لا تتوزع بشكل عادل أو تنموي على المجتمع.
  • التفسير: البيروقراطية المعقدة ونظام الرخص يعطلان نمو الشركات الناشئة والمبادرات الخاصة للشباب، مما يعوق صعود نخب اقتصادية جديدة قادرة على تجديد دماء الاقتصاد.

3. ضعف الإنتاجية الوطنية

  • المعنى المباشر: عجز الاقتصاد عن توليد وظائف ذات قيمة مضافة عالية.
  • التفسير: هذا الضعف الهيكلي يفسر بشكل مباشر أسباب هجرة الأدمغة والكفاءات التونسية إلى الخارج، حيث تبحث هذه الطاقات عن بيئات عمل تقدر « خلق القيمة » وتوفر حوافز أفضل للابتكار.

الخلاصة:

هذه الصورة تضع الإصبع على الداء الحقيقي للاقتصاد التونسي؛ المشكلة ليست في غياب مؤسسات أو آليات للقرار (التي تحتل فيها تونس المرتبة 74 في معيار القوة)، بل في عجز هذه المنظومة عن تحويل النفوذ إلى ثروة مشتركة ونمو اقتصادي شامل.