تكشف الأرقام الأخيرة المتعلقة بتطور القروض البنكية في تونس عن مفارقة اقتصادية لافتة: قطاعات تحقق نموا فعليا رغم تراجع التمويل البنكي، مقابل استمرار البنوك في توجيه سياساتها نحو الأنشطة الأسرع ربحا والأقل مخاطرة، بدل لعب دور “قاطرة” للاستثمار والإنتاج.
فبحسب المعطيات المتداولة، سجلت القروض الموجهة لقطاع الخدمات ارتفاعا بـ280 مليون دينار، فيما ارتفعت القروض الفلاحية بـ39 مليون دينار. في المقابل، تراجعت القروض الموجهة للصناعة بـ102 مليون دينار، كما انخفضت قروض الأفراد بـ233 مليون دينار، بينها 151 مليون دينار قروض استهلاك و82 مليون دينار قروض سكن.
لكن اللافت أن هذه الأرقام تأتي بالتوازي مع مؤشرات نمو إيجابية أعلنها المعهد الوطني للإحصاء خلال الثلاثي الأول من السنة، حيث بلغ النمو العام 2.6 بالمائة، فيما ارتفع الطلب الداخلي بـ5.2 بالمائة، وسجل القطاع الفلاحي نموا بـ6.8 بالمائة، والصناعة بـ2.6 بالمائة، في حين تراجع قطاع البناء بـ7.1 بالمائة.
هذه المعطيات تطرح، وفق مراقبين، تساؤلات جدية حول الدور الحقيقي الذي تلعبه المنظومة البنكية في الاقتصاد التونسي. فالصناعة، التي تعد من أكثر القطاعات قدرة على خلق الثروة وفرص العمل، تواصل تحقيق النمو رغم تراجع التمويل البنكي الموجه إليها، وهو ما يوحي بأن جزءا من النشاط الصناعي بات يتحرك “على هامش” الدعم البنكي التقليدي.
وفي المقابل، يظهر الطلب الداخلي في حالة نمو رغم انخفاض قروض الاستهلاك، ما يعزز فرضية اعتماد شريحة واسعة من التونسيين على مصادر تمويل موازية، مثل تحويلات التونسيين بالخارج أو السيولة المتداولة خارج القنوات الرسمية.
أما في قطاعي السكن والبناء، فتبدو الصورة أكثر قتامة، إذ تزامن تراجع قروض السكن مع الانكماش الحاد في قطاع البناء، في مؤشر يعتبره متابعون دليلا على أن البنوك لم تنجح في لعب دور داعم للقطاع خلال الأزمة، بل اكتفت بمرافقة التراجع بدل مقاومته عبر تحفيز التمويل والاستثمار العقاري.
ويرى مختصون أن التوازي الحاصل بين ارتفاع التمويل البنكي ونمو قطاعي الخدمات والفلاحة ليس أمرا عشوائيا، باعتبار أن هذين القطاعين يتميزان بسرعة دوران السيولة وقصر دورة الربح مقارنة بالصناعة أو البناء، ما يجعلها أكثر جاذبية للبنوك الباحثة عن عائدات أسرع ومخاطر أقل.
وفي ظل هذه المؤشرات، تتصاعد الانتقادات الموجهة للقطاع البنكي في تونس، حيث يعتبره البعض قد تحول تدريجيا من محرك للتنمية والاستثمار إلى مجرد وسيط مالي بين التداين العمومي من جهة، والبحث عن الأرباح الريعية في الأسواق المالية من جهة أخرى، وهو ما يطرح مجددا ملف إصلاح المنظومة البنكية ودورها في دعم الاقتصاد الحقيقي.





