الرئيسية آخر الأخبار هل يمهد التعاون الفضائي بين تونس والصين لتقارب استراتيجي جديد في المنطقة؟

هل يمهد التعاون الفضائي بين تونس والصين لتقارب استراتيجي جديد في المنطقة؟

0
975

تستعد تونس لدخول مرحلة جديدة في مسار السيادة التكنولوجية، عقب إعلان المركز الوطني للرسم الخرائطي والاستشعار عن بعد التابع لوزارة الدفاع الوطني، عن البدء في تطوير أول قمر اصطناعي حكومي في تاريخ البلاد، وذلك تحت الإشراف المباشر لجيش الطيران، وبالتعاون مع شركة صينية خاصة متخصصة في تقنيات الفضاء.

ولم يكن هذا الإنجاز الاستراتيجي وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمسار مؤسساتي ممتد عبر قرابة أربعة عقود؛ حيث تعود اللبنة الأولى إلى عام 1988 مع تأسيس المركز الوطني للرسم الخرائطي والاستشعار عن بعد. ومنذ ذلك الحين، واصلت الكفاءات التونسية رافدها العلمي حتى توجت هذا المسار في الثاني والعشرين من مارس عام 2021 بإطلاق القمر الاصطناعي « تحدي واحد ». وقد دخلت تونس حينها نادي الفضاء الدولي بقمر اصطناعي مصغر طُوّر بنسبة مائة بالمائة بأيادٍ ومهندسين تونسين، ومثّل وقتها أول قمر في العالم يستخدم بروتوكول الاتصال الأرضي لخدمة تطبيقات إنترنت الأشياء في الفضاء الخارجي، قبل أن يُطلق بنجاح على متن الصاروخ الروسي « سويوز اثنين ».

ويأتي المشروع الحكومي الجديد ليمثل قفزة نوعية مقارنة بالتجربة السابقة؛ حيث يعتمد المشروع الحالي على قمر اصطناعي مصغر من حجم أكبر، صُمم خصيصاً لمراقبة الأرض. ويهدف هذا القمر إلى تقديم حلول وبيانات دقيقة لخدمة التنمية المستدامة، وفي مقدمتها تطوير القطاع الزراعي، وإدارة الموارد الطبيعية والمائية، ومتابعة التغيرات المناخية والبيئية.

ويعكس إسناد مهمة الإشراف لجيش الطيران التونسي رغبة الدولة في حماية الأمن القومي المعلوماتي، وإدارة البيانات الفضائية الحساسة بطابع سيادي كامل. كما يترجم هذا المشروع عمق الشراكة التكنولوجية المتنامية بين تونس وبكين، والتي تعززت محطاتها البارزة منذ عام 2018 حين استضافت تونس أول مركز إقليمي للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية التابع للمنظومة الصينية خارج أراضيها، ليكون بوابة لتقديم خدمات التموقع عالي الدقة في المنطقة العربية والإفريقية.

ورغم الأبعاد الاستراتيجية لهذا التقارب التكنولوجي مع بكين، ومذكرات التفاهم الفضائية الأخرى التي وقعتها تونس مع دول مثل الهند عام 2019، يؤكد خبراء أن العقيدة العسكرية والدبلوماسية التونسية تحافظ على توازنها الدقيق؛ إذ تواصل تونس تنويع شركائها الدوليين من خلال المحافظة على علاقاتها التقليدية والوثيقة مع الشركاء الغربيين في مجالات التسليح والتدريب والتعاون الأمني.

يمثل هذا القمر الاصطناعي الجديد خطوة تاريخية واعدة تتيح لتونس الانتقال الفعلي من مرحلة استغلال البيانات الفضائية المستوردة إلى مرحلة التصنيع والتحليل السيادي، مما يفتح آفاقاً غير مسبوقة أمام جيل جديد من المهندسين التونسيين في قطاع تكنولوجيا الفضاء.

هذا المشروع لا يعني قيام حلف أو تقارب عسكري تقليدي بين تونس والصين، بل يندرج ضمن استراتيجية تونسية قائمة على « التنويع البراغماتي » والتعاون التكنولوجي ذي الاستخدام المزدوج (المدني والأمني). 

ويمكن قراءة أبعاد هذا التعاون من خلال الحقائق والتحليلات الاستراتيجية التالية:

1. طبيعة التعاون: تكنولوجي وأمني وليس عسكرياً صلباً

  • تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام: يركز التعاون الحالي على نقل التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الاصطناعية (مثل استضافة تونس لمركز « بيدو » للملاحة). هذه مجالات « ناعمة » تقدم خدمات مدنية (كالزراعة والمناخ) وأمنية (كمراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب) دون الحاجة لتقارب عسكري مباشر.
  • غياب القواعد والحضور المباشر: على عكس القوى الغربية، تتجنب الصين أي وجود عسكري مباشر أو إقامة قواعد عسكرية في تونس، وتفضل أسلوب الدعم اللوجستي، وتوفير المعدات مثل وسائل المراقبة والمنظومات الدفاعية المحدودة. 

2. تنويع الشركاء وموازنة العلاقات الدولية

  • علاقات تاريخية مع الغرب: يظل الشريك العسكري الأساسي والتقليدي للجيش التونسي هو المعسكر الغربي، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي؛ حيث تجري تونس سنوياً مناورات عسكرية ضخمة ومستمرة مع الجانب الأمريكي (مثل مناورات « الأسد الإفريقي »).
  • البراغماتية الاقتصادية والتكنولوجية: ترى تونس في الصين شريكاً ممتازاً لتطوير بنيتها التحتية المتهالكة وصناعاتها التكنولوجية دون شروط سياسية معقدة، وهو ما يمنح الدبلوماسية التونسية مساحة أكبر للمناورة وموازنة العلاقات بين الشرق والغرب دون ارتماء كامل في أي معسكر

3. السيادة الوطنية التونسية

  • الإشراف العسكري التونسي كصمام أمان: اختيار جيش الطيران التونسي للإشراف على القمر الاصطناعي الحكومي يعكس رغبة الدولة في عدم تسليم بياناتها السيادية الحساسة لأي طرف أجنبي، سواء كان صينياً أو غربياً. فالإشراف عسكري تونسي لحماية الأمن القومي، بينما الدور الصيني تقني استشاري فقط.


ما يحدث هو شراكة استراتيجية تكنولوجية واقتصادية متطورة، تتقاطع في بعض جوانبها مع الملفات الأمنية (كمكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود)، لكنها لم تصل ولن تصل في المدى المنظور إلى تكتل أو تقارب عسكري بالمعنى الحرفي، تماشياً مع العقيدة الدبلوماسية التونسية التي ترتكز دائماً على الحياد وعدم الانحياز.