في تحول لافت في خريطة الطاقة العالمية، أبدت الصين اهتماماً مبدئياً بزيادة وارداتها من النفط الأمريكي، في خطوة تهدف إلى تقليص اعتمادها على مضيق هرمز الذي يعيش على وقع توترات عسكرية متصاعدة بسبب النزاع المستمر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
ويأتي هذا التطور على هامش قمة بكين المنعقدة حالياً في ماي 2026 بين الرئيس الصيني والرئيس الأمريكي وسط رهانات اقتصادية وجيوسياسية كبرى تتجاوز مجرد ملف الطاقة.
ووفق ما أعلنه البيت الأبيض، فإن الرئيس الصيني أعرب خلال المحادثات عن رغبة بلاده في تعزيز واردات الطاقة الأمريكية، بهدف تأمين بدائل أكثر استقراراً بعيداً عن المخاطر الأمنية المتزايدة في الشرق الأوسط. كما أكد وزير الخزانة الأمريكي أن نفط ولاية ألاسكا يمثل خياراً “طبيعياً” للصين من الناحيتين الجغرافية والاقتصادية، بالنظر إلى قرب خطوط الشحن مقارنة ببعض المسارات التقليدية.
في المقابل، أظهرت بكين قدراً من التحفظ تجاه هذا الملف، إذ خلت البيانات الرسمية ووسائل الإعلام الصينية من أي إشارة واضحة إلى اتفاقات نفطية مع واشنطن، وركزت بدلاً من ذلك على انتقاد “عسكرة” مضيق هرمز، إضافة إلى مناقشة ملفات التجارة والتكنولوجيا والرقائق الإلكترونية.
ويأتي هذا التحرك الصيني في سياق أزمة طاقة متفاقمة، حيث تعتمد بكين على مضيق هرمز لعبور أكثر من نصف وارداتها النفطية. وقد أدى التصعيد العسكري والإغلاق الفعلي للمضيق نتيجة الضربات المتبادلة إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة داخل الصين، ما دفع السلطات الصينية إلى البحث عن بدائل عاجلة لتأمين احتياجاتها الاستراتيجية.
كما تواجه الصين ضغوطاً أمريكية متزايدة عبر عقوبات ثانوية تستهدف شركات التكرير المستقلة المعروفة باسم “أباريق الشاي”، وهي الشركات التي تعد من أبرز مشتري النفط الإيراني منخفض السعر. وتسعى واشنطن من خلال هذه العقوبات إلى خنق قنوات تصدير النفط الإيراني ودفع بكين إلى إعادة ترتيب مصادر وارداتها الطاقية.
ويرى مراقبون أن بكين تحاول في الوقت ذاته استخدام ملف شراء الطاقة الأمريكية كورقة تهدئة في الحرب التجارية مع واشنطن، عبر تقديم مكاسب اقتصادية يفضلها ترامب، تشمل واردات الطاقة والمنتجات الزراعية، مقابل تخفيف الضغوط الجمركية والعقوبات التجارية التي تهدد الاقتصاد الصيني.
ورغم هذا الانفتاح المحتمل على النفط الأمريكي، يستبعد خبراء الطاقة أن تتخلى الصين بالكامل عن النفط الإيراني أو أن تعتمد بصورة كلية على الإمدادات الأمريكية. فالصين استفادت خلال السنوات الأخيرة من أسعار تفضيلية للنفط الإيراني والروسي عبر ما يعرف بـ”أساطيل الظل”، وهو ما وفر لها إمدادات منخفضة الكلفة مقارنة بالأسعار العالمية.
وتشير بيانات الأسواق إلى أن النفط الأمريكي لم يكن يمثل تاريخياً سوى أقل من 4 بالمائة من واردات الصين النفطية، كما توقفت الشحنات تقريباً منذ ماي 2025 نتيجة تبادل الرسوم الجمركية بين البلدين. وفي المقابل، عززت بكين وارداتها من النفط الروسي، إلى جانب التوسع في استخدام الغاز الطبيعي والإيثان الأمريكي كبدائل بتروكيميائية أقل تكلفة وأكثر مرونة.
ويعكس هذا التحول المحتمل في السياسة الطاقية الصينية حجم التغيرات العميقة التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، حيث أصبحت إمدادات الطاقة مرتبطة بشكل مباشر بالتوازنات العسكرية والتجارية، في ظل سباق دولي متسارع لإعادة رسم خرائط النفوذ والأسواق الاستراتيجية.





