الرئيسية أخبار تونس هل تنقذ الجلسة العامة الخارقة للعادة « الغزالة » من مقصلة الديون؟

هل تنقذ الجلسة العامة الخارقة للعادة « الغزالة » من مقصلة الديون؟

0
735
الخطوط التونسية
الخطوط التونسية

تتجه أنظار الأوساط الاقتصادية وخبراء قطاع الطيران في تونس، اليوم الجمعة 29 ماي 2026، نحو المقر الاجتماعي لشركة الخطوط التونسية، حيث تعقد الناقلة الوطنية جمعيتها العامة العادية المؤجلة، تليها مباشرة جلسة عامة خارقة للعادة في محطة قانونية ومالية مصيرية تأتي في ظرفية شديدة الحساسية تتأرجح فيها مؤشرات الشركة بين بوادر انفراج تشغيلي لافت ونزيف مالي وهيكلي حاد كاد يعصف بجهود الإنقاذ المتواصلة .

وتأتي هذه الاجتماعات غداة إفصاح الشركة عن قوائمها المالية المدققة والمصادق عليها والمتعلقة بالسنة المحاسبية 2023، وعلى عكس الصياغات التحريرية التي حاولت بعض وسائل الإعلام المحلية تسليط الضوء فيها على بنود استثمارية قديمة، مثل استغلال الطائرة الخامسة من طراز إيرباص نيو أ 320 خلال عام 2023 ، فإن جوهر التقرير المالي الرسمي يكشف عن تحديات مروعة تتمثل أولاً في توسّع دائرة الخسائر الصافية حيث سجلت الموازنة الختامية عجزاً مالياً صافياً قُدّر بـ 282.7 مليون دينار، مسجلة بذلك ارتفاعاً حاداً في الخسائر بنسبة 23% مقارنة بالسنة المالية السابقة، وثانياً في مأزق الديون المتراكمة حيث يواجه المجمع ضغوطاً خانقة ناتجة عن ديون مفرطة ناهزت 2.6 مليار دينار وفقاً لآخر البيانات الصادرة عن وزارة النقل، مما حدّ تماماً من القدرة الائتمانية للشركة وصنّفها محاسبياً كـ « مؤسسة غير قابلة للاقتراض المباشر » دون ضمانات حكومية استثنائية وثقيلة .

ولم تتوقف الأزمات عند الشق المالي البحت، بل امتدت لتشمل فروع المجموعة، حيث يبرز على السطح ملف شركة الخطوط التونسية السريعة التي تلقت ضربة موجعة بصدور قرار رسمي من الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران يقضي بتعليق ترخيص تشغيلها وحظر تحليق طائراتها من طراز « إيه تي آر » في الأجواء الأوروبية إثر عمليات تفقد كشفت عن إخلالات فنية وتنظيمية تخص الرقابة وجودة العمليات، مما اضطر الشركة إلى اللجوء لعقود الإيجار الرطب باهظة الثمن لاستئجار طائرات بطواقمها من شركات أخرى لتأمين خطوطها الحيوية نحو جنوب أوروبا وتفادي إلغاء الرحلات .

وتتزامن هذه الأزمة الإقليمية مع معضلة استراتيجية كبرى تخص أسطول الشركة الأم بعيد المدى، وتحديداً الطائرة العملاقة من طراز إيرباص أ330-200 الملقبة بـ « تونس » والتي باتت توصف بـ « الطائرة بلا أجنحة »؛ حيث أصدرت محكمة الاستئناف بمدينة بورج الفرنسية حكماً يقضي برفع الحجز عن هيكل الطائرة وإعادته للخطوط التونسية، مع الإبقاء على الحجز التحفظي على محركاتها من طراز رولز رويس بطلب من شركة الصيانة الأمريكية « لون ستار » لضمان استخلاص ديون وفواتير قديمة غير مدفوعة تفوق 18 مليون دولار، مما جعل جسم الطائرة رابضاً في مطار شاتورو الفرنسي وعاجزاً عن الإقلاع، وحرم الشركة من ركيزة أساسية في رحلاتها الطويلة نحو وجهات كندا .

وفي المقابل، ورغم قتامة هذه الملفات القضائية والمالية، يُظهر الشق التشغيلي واللوجستي للشركة ملامح تعافٍ قوية تدعمها خطة الإنقاذ الحكومية المستعجلة التي يشرف عليها وزير النقل لإعادة هيكلة خطوط الطيران وتأمين ذروة عودة التونسيين بالخارج، حيث نجحت ورشات الصيانة بنهاية شهر أفريل المنصرم في رفع عدد الطائرات الجاهزة للخدمة إلى 12 طائرة بعد أن كانت قد تراجعت سابقاً إلى مستويات حرجة تراوحت بين 6 و7 طائرات عاملة فقط .

كما وضعت الشركة برنامجاً تشغيلياً يستهدف تشغيل 14 طائرة مع انطلاق ذروة الصيف، وتخطط لتعزيزها عبر آلية الإيجار الجاف للوصول بالأسطول الفعلي إلى 18 طائرة قبل نهاية العام الجاري، وقد أسهم هذا التعافي الفني في استقرار نسبي ملحوظ لجدول الرحلات، وتخفيض معدلات التأخير الكبرى بشكل غير مسبوق في الأسابيع الماضية، بالتزامن مع خطوات توسعية هامة مثل إعادة فتح الخط الجوي المباشر بين تونس وبغداد .

ويجمع محللو قطاع الطيران والاقتصاديون التونسيون على أن أزمة الغزالة لا تكمن في قدرتها التسويقية أو التجارية لأن الطلب على رحلاتها مرتفع للغاية وحركة المسافرين نمت بنسبة 14%، ولكن الأزمة تكمن في ثلاثة محاور هيكلية أولها استنزاف المداخيل بالديون حيث يذهب كل دينار تحققه الشركة كعائد تجاري مباشرة لامتصاص فوائد الديون السابقة المتراكمة واللتزامات للمزودين مثل ديوان الطيران المدني والمطارات، وثانيها عبء كتلة الأجور حيث تعاني الشركة من تضخم وظيفي هائل يعيق توازن الميزانية وتطرح الإدارة في هذا السياق ملف التطهير الاجتماعي عبر برنامج لتسريح أكثر من 1200 موظف طوعياً لتقليص الأعباء الثابتة،

وثالثها كلفة الصيانة المرتفعة وبقاء عدة طائرات رابضة في المطار لسنوات بسبب نقص قطع الغيار وهو ما كبّد الشركة خسائر تشغيلية فادحة وفرصاً ضائعة في السوق.

ومع تأكيد السلطات مراراً وتكراراً على رفض خيار الخوصصة باعتبار الناقلة الوطنية خطاً أحمر سيادياً ومرفقاً عاماً لا غنى عنه، تصبح الخيارات المتاحة محدودة جداً وتتطلب تضحيات هيكلية واضحة .

وتكتسب الجلسة العامة الخارقة للعادة المقررة اليوم أهمية مصيرية لأن القانون التجاري التونسي يلزم الشركات التي تتجاوز خسائرها نصف رأسمالها باتخاذ قرارات حاسمة بشأن استمرارية النشاط أو ضخ رؤوس أموال جديدة، وبناء على ذلك ستكون قرارات الغد بمثابة ورقة الطريق الرسمية التي ستحدد ما إذا كانت الناقلة الوطنية قادرة على الإقلاع مجدداً بأجنحة مالية ثابتة مدعومة بخطة التطهير الاجتماعي والتسوية الودية لفك رهن المحركات بفرنسا، أم أنها ستستمر في المناورة الصعبة داخل منطقة الاضطرابات الهيكلية العنيفة.