تتجه الحكومة التونسية إلى إطلاق إصلاحات هيكلية لمنظومة الضمان الاجتماعي، في إطار مخطط التنمية 2026-2030، بهدف تحقيق معادلة صعبة تتمثل في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين وضمان استدامة الصناديق الاجتماعية التي تواجه ضغوطا مالية وديمغرافية متزايدة.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في أنظمة الحماية الاجتماعية الأستاذ بدر السماوي، الثلاثاء 21 جويلية 2026، أن التصور المطروح يقوم على إعادة هيكلة المنظومة بشكل جذري، عبر الفصل بين مهام استخلاص الاشتراكات وإدارة مختلف خدمات الحماية الاجتماعية.
وأوضح السماوي، خلال مداخلة في برنامج « الشارع التونسي »، أن المشروع يقضي بإحداث صندوق مركزي يتولى جمع اشتراكات المؤجرين والأجراء، على أن يتكفل لاحقا بتوزيع الموارد على صناديق متخصصة، تشمل صندوق التأمين على المرض، وصندوق الجرايات، وصندوق الخدمات الاجتماعية، وصندوق البعث العقاري.
وأشار إلى أن هذه الفكرة ليست جديدة، إذ سبق أن نص عليها تشريع صدر سنة 1986، غير أنها لم تدخل حيز التنفيذ قبل أن يتم إلغاؤها لاحقا.
تقليص الفوارق بين القطاعين العام والخاص
وبحسب الخبير، فإن مخطط التنمية 2026-2030 منح إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية ورأس المال البشري أولوية خاصة، كما تضمن توجها نحو مراجعة الفوارق القائمة بين أنظمة التقاعد في القطاعين العام والخاص، في إطار السعي إلى إرساء منظومة أكثر عدالة واستدامة.
مراجعة احتساب الجرايات
وفي ما يتعلق بالمتقاعدين، اعتبر السماوي أن الزيادات الأخيرة في الجرايات كان تأثيرها محدودا، بسبب تأخر إقرارها وارتفاع الأسعار، مؤكدا أن نسب الترفيع الحالية لا تسمح بالحفاظ على القدرة الشرائية للمتقاعد.
وشدد على أن إصلاح منظومة التقاعد لا يقتصر على الزيادة في قيمة الجرايات، بل يستوجب مراجعة طريقة احتسابها، إلى جانب اعتماد آلية دورية لتعديلها بما يواكب نسب التضخم وارتفاع كلفة المعيشة.
ضغط متزايد على المنظومة
وكشف السماوي أن عدد المنتفعين بالجرايات بمختلف أصنافهم، من متقاعدين وأرامل وأيتام، يناهز 1.4 مليون شخص، في حين يقدر عدد المتقاعدين الفعليين بحوالي 800 ألف متقاعد.
وتوقع أن يرتفع هذا العدد خلال السنوات المقبلة نتيجة تزايد الشيخوخة السكانية وارتفاع أمل الحياة، وهو ما سيزيد من الضغوط المالية على منظومة التقاعد.
التحدي الحقيقي
وأكد الخبير أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في ارتفاع متوسط العمر، وإنما في تقلص عدد المساهمين النشطين مقارنة بعدد المنتفعين بالجرايات.
وأوضح أن تونس تعتمد نظاما تضامنيا يقوم على تمويل معاشات المتقاعدين من اشتراكات العاملين الحاليين، وهو ما يجعل تنشيط سوق الشغل ورفع نسب التشغيل، خصوصا في القطاع الخاص، شرطا أساسيا لضمان استدامة الصناديق الاجتماعية والحفاظ على توازنها المالي مستقبلا.
ورغم أهمية هذه التوجهات، فإنها لا تزال في مرحلة التصور ضمن مخطط التنمية 2026-2030، ولم تتحول بعد إلى مشاريع قوانين أو إجراءات تنفيذية، ما يعني أن تفاصيل الإصلاح وآجاله ستظل رهينة القرارات التي ستتخذها الحكومة خلال المرحلة المقبلة.



