أكد الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن الواقع الاجتماعي في تونس يكشف ما وصفه بـ »التناقض الصارخ » بين شعارات الدولة الاجتماعية والممارسات اليومية التي يواجهها المواطن، خاصة في قطاع الصحة، معتبرا أن الدولة تخلّت فعليا عن دورها الاجتماعي في توفير العلاج وضمان الحق في الدواء.
وأوضح الشكندالي أن الدولة الاجتماعية يفترض أن تضمن توفر الأدوية الأساسية للمواطنين، إلا أن السوق تشهد نقصا حادا في العديد من الأدوية، لا سيما تلك المرتبطة بالأمراض المزمنة والخطيرة، وهو ما يضع المرضى وعائلاتهم أمام معاناة يومية بحثا عن العلاج.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بفقدان الأدوية، بل أيضا بارتفاع أسعارها بشكل وصفه بالمهول، مستشهدا بحالة مريض قلب اضطر لاقتناء قائمة من الأدوية لمدة ثلاثة أشهر حتى يتمكن من إيداع ملفه لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
وبيّن أن القائمة شملت أدوية متعددة تجاوزت كلفتها الإجمالية ألف دينار لثلاثة أشهر، من بينها دواء بقيمة 120 دينارا وآخر بـ52 دينارا، إضافة إلى أدوية أخرى تراوحت أسعارها بين 34 و49 دينارا، ما يجعل الحصول على العلاج عبئا ثقيلا حتى على أبناء الطبقة المتوسطة.
وأضاف أن المواطن حاول التوصل إلى حل مع الصيدلية عبر تقسيط المبلغ بواسطة شيكات ضمان، إلا أنه فوجئ بأن القانون الجديد يمنع ذلك، كما لم يتمكن من شراء أدوية شهر واحد فقط مع استكمال وثائق استرجاع المصاريف، ما دفعه في النهاية إلى التخلي عن شراء العلاج والمجازفة بصحته.
واعتبر الشكندالي أن هذه الحادثة تعكس انهيار الدور الاجتماعي للدولة في مجال الصحة، متسائلا عن وضع الفئات الفقيرة إذا كان حتى أبناء الطبقة المتوسطة عاجزين عن تحمل تكاليف العلاج رغم انخراطهم في منظومة استرجاع المصاريف.
كما انتقد وضع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مشيرا إلى أنه يدار منذ أشهر دون مدير عام، وسط حالة من الفوضى والاكتظاظ في عدد من مراكزه، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية مثل حي التضامن.
ولفت أيضا إلى أن الأزمة لا تقتصر على قطاع الصحة فقط، بل تشمل موجة غلاء واسعة وانفلاتا في أسعار المواد الأساسية، خصوصا المنتجات الفلاحية والغذائية، متسائلا عن جدية الحديث عن « الدولة الاجتماعية » في ظل هذا الواقع الصعب.
وختم الشكندالي بالقول إن المواطن التونسي أصبح يواجه وحده أعباء المعيشة والصحة، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على أداء دورها الاجتماعي، مضيفا: « بعد كل هذا، هل ما زال من الممكن الحديث عن دولة اجتماعية؟ ».

