كشفت دراسة ديموغرافية حديثة صادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية بفرنسا )، بعنوان « السكان والمجتمعات » (ماي 2026)، عن تحولات هيكلية عميقة في البنية السكانية لدول المغرب العربي، وتحديداً في تونس.
وتُقدم الأهرامات السكانية المقارنة التي رصدتها الدراسة عبر ثلاثة أزمنة (1966، 1997، و2024) أرضية علمية لفهم « المعادلة النوعية » (النسبة بين الذكور والإناث) في المجتمع التونسي، والتي باتت تشكل المنطلق الأساسي لتفسير أزمات التعليم، التشغيل، والتغير السلوكي في بناء الأسرة.
أولاً: كفة « النوع الاجتماعي » في تونس.. أين يكمن التفوق العددي؟
تُظهر البيانات التاريخية التي حللتها دراسة (INED) أن تونس تميزت تاريخياً بتناظر أفقي شبه مثالي بين الجنسين في أهراماتها السكانية، لكن التدقيق في الفئات العمرية لهرم سنة 2024 يفرز خريطة عددية ديناميكية تتوزع كالتالي:
- في مرحلة الطفولة والناشئة (0 – 24 سنة): يظهر تفوق عددي ضئيل لصالح الذكور، وهو ما يتطابق مع النسبة البيولوجية العالمية للولادات.
- في سن الشباب والكهولة (25 – 59 سنة): يبلغ التوازن بين الجنسين ذروته، حيث تظهر الخطوط البيانية متعادلة تماماً، مما يعني تساوياً عددياً شبه مطلق في الفئة الأكثر إنتاجية.
- في مرحلة الشيخوخة (70 سنة فما فوق): يبرز تفوق عددي مرئي وصريح لصالح الإناث عند قمة الهرم؛ نتيجة لارتفاع مؤشر التوقع العمري (متوسط العمر المتوقع عند الحياة) للمرأة التونسية مقارنة بالرجل.
هذا التوزيع يمنح المجتمع التونسي بنية نسوية مستقرة ومتنامية في فئات سن العمل والتعليم العالي.
ثانياً: الثورة التعليمية للإناث مقابل الهشاشة المهنية
تستند دراسة المعهد الفرنسي إلى مفارقة صارخة؛ فرغم أن النمو الديموغرافي المتوازن منح تونس كتلة بشرية نسائية ضخمة ومتعلمة—حيث تشير معطيات الدراسة المقترنة ببيانات المعهد الوطني للإحصاء (INS) إلى أن النساء يمثلن اليوم ما يقارب 60% من طلبة الجامعات التونسية في الفئة العمرية 25–34 سنة—إلا أن هذا التفوق العددي والأكاديمي لم يترجم إلى إدماج مهني مكافئ.
وتشير الدراسة إلى أن معدلات البطالة بين الخريجات الإناث لا تزال مرتفعة، كما أن مساراتهن المهنية تتسم بـ « الهشاشة الواضحة ». فخلافاً للذكور، تواجه المرأة التونسية ضغوطاً هيكلية تجبرها على العزوف أو الخروج المبكر من سوق الشغل، وخاصة عند بلوغ سن الثلاثين؛ وهو السن الذي يتقاطع ديموغرافياً مع مرحلة العبء الأسري الأثقل (رعاية الأطفال والوالدين). ورغم أن معدل نشاط المرأة في تونس يظل أعلى نسبياً مقارنة بالمغرب والجزائر (حيث يستقر فوق 50% حتى سن 44 عاماً)، إلا أن ظاهرة « الانسحاب المهني » تظل تحدياً قائماً يمنع الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من الكتلة الأكثر تعليماً في البلاد.
ثالثاً: الانعكاسات الديموغرافية وتجميد قاعدة الهرم
تخلص دراسة (INED) إلى أن هذه الفجوة بين التمكين الأكاديمي وصعوبة الاندماج الاقتصادي، إلى جانب غياب آليات مرنة للتوفيق بين الحياة المهنية والمسؤوليات الأسرية، أدت إلى رد فعل ديموغرافي مباشر من قِبل كتلة الإناث الشابة؛ تمثَّل في تأجيل خطط الزواج وإرجاء مشاريع الإنجاب.
هذا السلوك الجماعي يفسر بصورة قاطعة المظهر الأخير لهرم تونس 2024: الانكماش الحاد والضيق المستمر في قاعدة الهرم (الفئات العمرية من 0 إلى 9 سنوات). إن تراجع مستويات الخصوبة السريع يضع تونس، وفقاً للمعهد الفرنسي، على أعتاب مرحلة « الشيخوخة الديموغرافية المستمرة »، حيث يتسع رأس الهرم (كبار السن ومعظمهم من النساء) على حساب القاعدة، مما يفرض ضغوطاً مستقبلية حتمية على منظومات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.





