في وقت تسجّل فيه تونس ارتفاعًا مقلقًا في نسب السمنة وزيادة الوزن لدى الأطفال، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا لتحرك فعلي من منظمات الدفاع عن المستهلك من أجل حماية صحة الناشئة، خاصة أمام الانتشار الواسع للأغذية الصناعية الموجهة للأطفال والرضع، والتي تحتوي في كثير من الأحيان على نسب مرتفعة من السكر والمواد المضافة.
الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة تدق ناقوس الخطر؛ إذ تشير إلى أن 17.2 بالمائة من الأطفال في سن الخامسة يعانون من السمنة أو الوزن الزائد، فيما تتجاوز النسبة 20 بالمائة لدى الأطفال بين 6 و12 سنة. وهي مؤشرات تكشف تحولا خطيرا في العادات الغذائية داخل المجتمع التونسي، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى مراقبة المنتجات الغذائية الموجهة للأطفال.
وفي خضم هذا الوضع، برز في المغرب تحرك قوي تقوده الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك، بعد مطالبتها شركة “نستلي” بالتوقف الفوري عما اعتبرته “تضليلا للمستهلكين”، عبر تسويق منتجات موجهة للأطفال تحتوي على نسب مرتفعة من السكر المضاف، رغم بيع المنتجات نفسها في أوروبا دون سكر.
هذا التحرك المغربي يستحق أن يكون نموذجا يُحتذى به في تونس، خاصة بعد المعطيات الصادمة التي كشفتها دراسة أجرتها منظمة “بوبليك آي” السويسرية، والتي أظهرت أن أغذية الأطفال من نوع “سيريلاك” تحتوي في الأسواق الإفريقية على كميات مرتفعة من السكر، في حين يتم تسويق النسخة الأوروبية من المنتج ذاته بتركيبة مختلفة وأكثر أمانا صحيا.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه المنتجات لا تفصح بشكل واضح عن كمية السكر المضاف ضمن البيانات الغذائية، وهو ما يحرم الأولياء من حقهم في معرفة حقيقة ما يستهلكه أطفالهم يوميا. كما أن الحملات الإشهارية الضخمة التي تقدم هذه المنتجات على أنها “غذائية وصحية” تساهم في خلق صورة مضللة لدى المستهلك.
اليوم، لم يعد الصمت مقبولا. فمنظمات الدفاع عن المستهلك في تونس مطالبة بالخروج من دائرة البيانات التقليدية إلى تحركات ميدانية وضاغطة، تشمل المطالبة بتحليل تركيبة أغذية الأطفال المتداولة في السوق التونسية، وإجبار الشركات على الكشف الكامل عن نسب السكر والمواد المضافة، إلى جانب فتح نقاش وطني حول سلامة المنتجات الغذائية الموجهة للأطفال.
كما أن السلطات الصحية والرقابية مطالبة بدورها بتشديد المراقبة على هذا النوع من المنتجات، خاصة أن التعرض المبكر للسكر، وفق توصيات منظمة الصحة العالمية، يخلق لدى الطفل ميلا دائما نحو الأطعمة الحلوة ويرفع من مخاطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب مستقبلا.
إن حماية الأطفال ليست ملفا ثانويا، بل قضية صحة عامة وأمن غذائي. وما قامت به جمعيات المستهلك في المغرب يثبت أن المجتمع المدني قادر على فرض النقاش والدفاع عن حق العائلات في غذاء صحي وآمن. فهل تتحرك منظمات الدفاع عن المستهلك في تونس قبل أن تتحول السمنة لدى الأطفال إلى قنبلة صحية موقوتة؟





