أثار إعلان تأسيس لجنة دعم لعضو البرلمان الأوروبي روبرتو فاناتشي بمدينة الحمامات جدلاً واسعاً، بعد أن كشف النائب السابق مجدي الكرباعي أن مؤسسيها هم مواطنون إيطاليون يقيمون بصفة دائمة في تونس، في مفارقة اعتبرها معبّرة عن ازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا الهجرة والهوية.
ويُعرف فانّاتشي بمواقفه المثيرة للجدل بشأن الهجرة والتعددية الثقافية، حيث يطرح خطاباً سياسياً يعتبر أن الهجرة نحو أوروبا تمثل تحدياً للهوية الوطنية، كما يوجّه انتقادات متكررة لما يصفه بتأثيرات التعددية الثقافية والدينية على المجتمعات الأوروبية.
ويرى الكرباعي أن المفارقة تكمن في أن الأشخاص الذين بادروا بتأسيس لجنة دعمه هم أنفسهم أوروبيون اختاروا مغادرة بلادهم والاستقرار في تونس، مستفيدين من الامتيازات الجبائية والحوافز التي توفرها الدولة التونسية للمتقاعدين والمقيمين الأجانب، فضلاً عن مناخ العيش والخدمات وتكلفة الحياة الأقل مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.
ويضيف أن النقاش يتجاوز الجانب الاقتصادي ليشمل البعد الثقافي والديني، إذ يعيش هؤلاء المواطنون الأوروبيون في تونس بحرية كاملة، ويمارسون شعائرهم الدينية ويحافظون على هويتهم الثقافية دون قيود، في حين يدعم بعضهم شخصية سياسية تتبنى مواقف متشددة تجاه الهجرة وحضور الثقافات والأديان الأخرى داخل الفضاء الأوروبي.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة الجدل حول الفارق في الخطاب المتداول بين مصطلحي « المغترب » أو أكسبا و »المهاجر »، حيث يُستخدم الأول غالباً لوصف الأوروبيين المقيمين في دول الجنوب، بينما يُطلق الثاني على القادمين من الضفة الجنوبية للمتوسط نحو أوروبا، رغم أن الدافع الأساسي في الحالتين قد يكون البحث عن ظروف عيش أفضل أو فرص اقتصادية واجتماعية مختلفة.
كما تثير المسألة تساؤلات حول حدود النشاط السياسي للأجانب المقيمين في تونس، ومدى ملاءمة تنظيم مبادرات سياسية على الأراضي التونسية لدعم شخصيات أو تيارات تُتهم بمعاداة الهجرة أو باتخاذ مواقف سلبية تجاه المسلمين، في وقت تقدم فيه تونس نفسها كبلد منفتح يستقبل آلاف المقيمين الأجانب ويوفر لهم فضاءً للعيش والعمل وممارسة معتقداتهم بحرية.
وفي انتظار أي توضيحات رسمية بشأن طبيعة هذه اللجنة وأهدافها، يظل الجدل قائماً بين من يعتبرها تعبيراً عادياً عن نشاط سياسي لمواطنين أوروبيين في الخارج، ومن يراها تجسيداً صارخاً لمفارقة سياسية وأخلاقية يصعب تجاهلها: الاستفادة من الانفتاح التونسي، مع دعم خطاب يطالب بتشديد الأبواب أمام الآخرين.
روبرتو فانّاتشي، المولود في 20 أكتوبر 1968 بمدينة لا سبيتسيا الإيطالية، هو جنرال وسياسي إيطالي من اليمين المتطرف، شغل سابقاً منصب قائد القوات العملياتية البرية في الجيش الإيطالي.
انتُخب عضواً في البرلمان الأوروبي خلال انتخابات سنة 2024، حيث انضم في البداية إلى مجموعة « الوطنيون من أجل أوروبا »، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مجموعة « أوروبا الأمم ذات السيادة ».
مسيرته العسكرية
شغل فانّاتشي عدة مناصب عسكرية بارزة، من بينها قيادة الفوج التاسع للمظليين الهجوميين « كول موسكين »، وقيادة لواء المظليين « فولغوري »، كما قاد الوحدة الإيطالية المشاركة في الحرب الأهلية العراقية الثانية، وتولى قيادة قوة المهام 45 خلال الحرب في أفغانستان.
كتاب أثار جدلاً واسعاً
في أوت 2023، أصدر كتابه «العالم بالمقلوب»، الذي أثار موجة واسعة من الجدل الإعلامي والسياسي بسبب مواقفه المتعلقة بالنساء والمهاجرين، وخاصة الأفارقة، والمثليين، والحركات البيئية.
ووُجهت إليه انتقادات حادة بسبب ما اعتبره كثيرون خطاباً تمييزياً وعنصرياً. كما أثار جدلاً عندما تحدث عن لاعبة الكرة الطائرة الإيطالية من أصول نيجيرية باولا معتبراً أن ملامحها الجسدية « لا تمثل الإيطالية »، رغم حملها الجنسية الإيطالية.
ورغم الجدل، تصدر الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في إيطاليا خلال الأسبوع الممتد بين 14 و20 أوت 2023.
دخوله المعترك السياسي
في انتخابات البرلمان الأوروبي لسنة 2024، انتُخب نائباً أوروبياً على قائمة حزب ماتيو سالفيني (الرابطة – ليغا)، أحد أبرز أحزاب اليمين المتطرف في إيطاليا.
وفي جويلية 2024، عُين نائباً لرئيس مجموعة « الوطنيون من أجل أوروبا » التي أطلقها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قبل أن يُعفى من هذا المنصب بعد يوم واحد فقط.
مواقف أكثر تشدداً
في ماي 2025، أعلن دعمه لتجمعات أوروبية من اليمين المتطرف تدعو إلى ما يسمى « إعادة الهجرة »، وهي فكرة تقوم على تشجيع أو ترحيل المهاجرين وأبنائهم إلى بلدانهم الأصلية.
وفي 3 فيفري 2026، غادر حزب الرابطة ومجموعة « الوطنيون من أجل أوروبا » ليؤسس حزبه الخاص (المستقبل الوطني)، الذي يتبنى مواقف مؤيدة لروسيا، ومعارضة لحقوق المثليين، ومؤيدة لسياسات « إعادة الهجرة »، ويعلن تمسكه بالتقاليد والقيم المسيحية المحافظة.
ويُعدّ فانّاتشي اليوم من أبرز الوجوه الصاعدة في تيارات اليمين القومي المتشدد في إيطاليا وأوروبا، بسبب مواقفه المناهضة للهجرة والتعددية الثقافية.





