أثارت تدوينة نشرها المحامي والقيادي في حركة الشعب هيكل المكي موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تعليقه على الحوار الذي أجراه المدير العام الأسبق للأمن الوطني والاستخبارات التونسية كمال القيزاني، وذلك بسبب ما اعتبره منتقدون إيحاءً خطيراً تجاه المسؤول الأمني السابق.
ونشر المكي على صفحته تدوينة نقل فيها كلاماً منسوباً إلى أستاذ القانون غيث الشاوش جاء فيه: «في دولة تحترم نفسها، في دول الحد الأدنى، كبار مسؤولي الأمن والاستعلام السابقين لا يغادرون أرض الوطن، وإذا غادروها فلمهمة تطلبها الدولة، وإن كان لظروف شخصية فلمدة قصيرة مرافقين ومراقبين. وإذا فرّوا يسترجعون فوراً، وإذا تعذّر استرجاعهم يعمل على إسكاتهم للأبد…».

عبارة « إسكاتهم للأبد » في قلب الجدل
وسرعان ما تحولت العبارة الأخيرة، «يعمل على إسكاتهم للأبد»، إلى محور النقاش، حيث رأى عدد من المتابعين والناشطين أنها تحمل دلالات تتجاوز مجرد الدعوة إلى الملاحقة القانونية أو المساءلة القضائية، وتفتح الباب أمام تأويلات مرتبطة بالتصفية أو الإقصاء الجسدي للمسؤولين السابقين الذين يمتلكون أسراراً أمنية أو استخباراتية.
في المقابل، اعتبر آخرون أن التدوينة لا تتضمن دعوة صريحة إلى العنف، بل تتحدث عما يصفه أصحاب هذا الرأي بأنه سلوك بعض الدول تجاه كبار مسؤولي أجهزتها.
الأمنية عندما يغادرون البلاد أو يكشفون معلومات حساسة.
بين التوصيف والدعوة


ومن الناحية القانونية والسياسية، يفرق المختصون عادة بين وصف ممارسات موجودة أو منسوبة إلى بعض الدول وبين الدعوة المباشرة إلى تنفيذها.
فالتدوينة لا تتضمن، من حيث الصياغة الحرفية، دعوة صريحة إلى قتل أو تصفية أي شخص بعينه، كما أنها لا تذكر اسم كمال القيزاني ضمن عبارة «إسكاتهم للأبد». غير أن نشر هذا الكلام في سياق الحديث عن الحوار الذي أجراه المسؤول الأمني السابق جعل عدداً من المتابعين يربطون بين التصريح وبين القيزاني بشكل مباشر.
ولهذا السبب، برزت تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت التدوينة تمثل مجرد تعليق سياسي حاد أم أنها تحمل رسالة ضمنية تجاه المدير العام الأسبق للأمن الوطني.
مسؤولون أمنيون سابقون وأسرار الدولة
ويعد ملف المسؤولين السابقين في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من الملفات الحساسة في معظم دول العالم، إذ تفرض العديد من التشريعات عليهم واجب المحافظة على الأسرار المهنية وأسرار الدولة حتى بعد مغادرة مناصبهم.
غير أن التعامل مع أي اتهامات تتعلق بكشف معلومات سرية يتم، في الأنظمة الديمقراطية ودول القانون، عبر الآليات القضائية والقانونية، من خلال التحقيقات والمحاكم والعقوبات المنصوص عليها قانوناً، وليس عبر إجراءات خارج الأطر القانونية.
صمت من المعنيين
وحتى الآن، لم يصدر عن هيكل المكي توضيح إضافي بشأن المقصود بعبارة «إسكاتهم للأبد»، كما لم يصدر تعليق رسمي من كمال القيزاني بشأن الجدل الذي أثارته التدوينة.
وبين من يرى في النص توصيفاً لسياسات أمنية معروفة في بعض الدول، ومن يعتبره إيحاءً خطيراً يمكن فهمه كتبرير للتخلص من مسؤول أمني سابق، يبقى الجدل مفتوحاً حول حدود الخطاب السياسي عندما يتعلق الأمر بملفات الأمن القومي وأصحاب الأسرار الحساسة.
ويبقى السؤال المطروح: هل كانت تدوينة هيكل المكي مجرد نقل لرأي مثير للجدل حول كيفية تعامل الدول مع كبار مسؤوليها الأمنيين السابقين، أم أنها حملت بالفعل رسالة يمكن أن تُفهم على أنها تحريض أو تبرير لاستهداف كمال القيزاني؟ وهو سؤال يظل خاضعاً للتأويل السياسي والقانوني ما لم يقدم أصحاب التصريحات توضيحات أكثر دقة بشأن مقاصدهم.





