أثارت الزيادات الأخيرة في أسعار بعض الأدوية جدلاً واسعاً في تونس، بعد تداول أخبار على شبكات التواصل الاجتماعي حول ارتفاعات كبيرة في أسعار الأدوية المستوردة.
غير أن مصدراً من الصيدلية المركزية أوضح أن الأمر يتعلق بمراجعة محدودة لأسعار عدد قليل من الأصناف التي لم يقع تحيين أسعارها منذ سنوات، نافياً وجود زيادات عامة أو مشطة.
وأوضح المصدر أن الزيادة شملت أدوية مستوردة فقط، وأنها بقيت في حدود بضعة دنانير أو بعض المليمات، مبرراً ذلك بارتفاع كلفة التوريد وتطور أسعار المواد الدوائية في الأسواق العالمية. وأضاف أن الهدف من هذا التعديل هو ضمان استمرار توفير هذه الأدوية وتفادي أي اضطراب في السوق.
لكن الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي يرى أن النقاش لا يجب أن يتوقف عند حجم الزيادة، بل يجب أن يتجه إلى السؤال الأوسع: هل أصبحت منظومة الدواء في تونس تعكس أزمة مالية وهيكلية تهدد قدرة المواطن على العلاج؟
ويعتبر الشكندالي أن « بضعة دنانير » قد تبدو رقماً محدوداً بالنسبة إلى الدولة، لكنها بالنسبة إلى مريض مزمن أو متقاعد يعتمد على عدة أدوية شهرياً، قد تتحول إلى عبء إضافي على ميزانية أسرته، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
الدواء ليس سلعة عادية
ويؤكد الخبير أن الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بمنع ارتفاع الأسعار، بل بقدرتها على حماية المواطن عندما يواجه مخاطر لا يستطيع تحملها، وفي مقدمتها المرض.
فالمواطن يمكنه تأجيل شراء بعض السلع أو استبدالها، لكنه لا يستطيع غالباً تأجيل دواء ضروري أو علاج مرض مزمن. لذلك فإن أي زيادة في أسعار الأدوية تطرح إشكالية تتجاوز الجانب التجاري لتصل إلى سؤال أساسي: إلى أي مدى مازالت الدولة قادرة على ضمان دورها الاجتماعي؟
من أزمة الكهرباء إلى أزمة الدواء
ويربط الشكندالي بين وضع الصيدلية المركزية والأزمات التي عرفتها مؤسسات عمومية أخرى، معتبراً أن ما يحدث يعكس صعوبات مالية متزايدة تواجهها هذه المؤسسات.
فكما كشفت أزمة الكهرباء عن الضغوط المالية التي تواجهها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، فإن وضع الصيدلية المركزية يثير مخاوف من تحول الأزمة من مجرد مسألة أسعار إلى مسألة توفير ومخزون.
ويحذر من أن الخطر الحقيقي ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في إمكانية ظهور صعوبات في التزويد إذا تواصلت مشاكل التمويل والتوريد وتكوين المخزونات.
الكنام والتكفل بالأدوية
وبخصوص الأدوية التي تشملها منظومة الأمراض المزمنة أو التكفل في إطار الـأ بي سي أ، يوضح الشكندالي أن ذلك لا يعني بالضرورة غياب تأثير الزيادة على المواطن.
فالكنام تعتمد على تعريفة مرجعية للتعويض، وإذا ارتفع سعر الدواء ولم يقع تحيين هذه التعريفة، فقد يجد المريض نفسه مطالباً بدفع الفارق من ماله الخاص.
وبذلك يمكن أن يتحول جزء من كلفة الأزمة المالية للمنظومة الصحية إلى المواطن مباشرة.
العملة الصعبة وأمن الدواء
ويشير الشكندالي إلى عامل آخر يتمثل في ضغط العملة الصعبة، باعتبار أن تونس تعتمد بدرجة مهمة على توريد الأدوية والمواد الأولية الدوائية.
ويرى أن الدولة تواجه معادلة صعبة بين المحافظة على احتياطي العملة الأجنبية وتوفير حاجيات أساسية مثل الطاقة والغذاء والأدوية، لكنه يؤكد أن الدواء لا يمكن التعامل معه كسلعة قابلة للتأجيل أو التقليص.
أزمة منظومة وليست أزمة أسعار فقط
وفق هذا التحليل، فإن ملف الدواء في تونس يرتبط بعدة عوامل متداخلة:
- الوضع المالي للصيدلية المركزية؛
- قدرة الدولة على ضمان مخزون استراتيجي من الأدوية الحيوية؛
- صعوبات تمويل الكنام؛
- الضغوط على المستشفيات العمومية؛
- تراجع القدرة الشرائية للمواطن؛
- ارتفاع كلفة التوريد بالعملة الصعبة.
ويعتبر الشكندالي أن الحل لا يكمن فقط في تعديل الأسعار كلما تفاقمت صعوبات الصيدلية المركزية، بل في إصلاح شامل للمنظومة يشمل تحسين حوكمة الصيدلية المركزية، دعم الصناعة الدوائية المحلية، تطوير استعمال الأدوية الجنيسة، مراجعة منظومة الأسعار، وتحسين تمويل الكنام.



