في كل مرة يشتري فيها التونسي قارورة مياه أو جعة أو نبيذ أو أي مشروب معبأ في قارورة بلورية، فإنه لا يدفع ثمن السائل الموجود داخلها فقط، بل يدفع أيضا ثمن الوعاء الزجاجي.
غير أن المفارقة تبدأ مباشرة بعد استهلاك المحتوى، إذ تتحول تلك القارورة، التي دفع ثمنها كاملا، إلى قطعة زجاج لا تساوي شيئا بالنسبة إليه، بينما تظل الشركات المنتجة في مأمن من أي التزام باسترجاعها أو إعادة استعمالها.
إنها معادلة يصعب تبريرها اقتصاديا أو بيئيا أو حتى أخلاقيا.
فالمستهلك يدفع ثمن القارورة عند كل عملية شراء، ثم يتحمل وحده عبء التخلص منها، في حين تجني الشركات أرباحها من بيع قوارير جديدة باستمرار، دون أن تتحمل مسؤولية دورة حياة المنتج بعد مغادرته رفوف المتاجر.
هذا النموذج لم يعد مقبولا في زمن أصبحت فيه حماية البيئة جزءا من السياسات الاقتصادية، وأصبح فيه الاقتصاد الدائري معيارا لقياس مدى التزام المؤسسات بمسؤوليتها الاجتماعية والبيئية.
ملايين القوارير… وملايين الدنانير المهدورة
يصعب حصر عدد القوارير البلورية التي تطرح سنويا في السوق التونسية، لكن المؤكد أن الحديث يدور عن ملايين الوحدات التي ينتهي جزء كبير منها في الحاويات أو في الطبيعة.
وهنا تبرز المفارقة الاقتصادية الكبرى. فالزجاج من أكثر المواد القابلة لإعادة الاستعمال مرات عديدة قبل الحاجة إلى إعادة صهره، وهو ما يسمح بتقليص كلفة الإنتاج واستهلاك الطاقة والمواد الأولية. ومع ذلك، ما تزال أغلب الشركات تعتمد عمليا على إنتاج قوارير جديدة بدل استرجاع القديمة، بينما يدفع المستهلك ثمن هذه الدورة في كل مرة.
ولو اعتمد نظام استرجاع القوارير مقابل تعويض مالي، فإن المواطن سيستعيد جزءا من أمواله، وستوفر الشركات جزءا مهما من كلفة التصنيع، كما ستتراجع نفقات الدولة المخصصة لجمع النفايات ومعالجتها. أي أن الجميع سيربح، باستثناء ثقافة الاستهلاك التي حولت القارورة إلى منتج يستعمل مرة واحدة ثم يرمى.
نفايات لا تلوث فقط… بل تجرح أيضا
يكفي القيام بجولة في إحدى الحدائق العامة أو على أحد الشواطئ أو في محيط الغابات حتى تظهر عشرات القوارير الزجاجية الملقاة أو المكسورة.
هذه ليست مجرد نفايات تشوه المشهد، بل تتحول إلى مصدر خطر دائم. فكم من طفل أصيب بجروح بليغة بسبب شظايا الزجاج؟ وكم من مصطاف عاد من البحر بقدم تنزف بعدما وطئت قطعة زجاج مدفونة تحت الرمال؟ وكم من عامل نظافة تعرض لإصابة أثناء جمع الفضلات؟
ولا يقتصر الخطر على الإنسان، بل يمتد إلى الحيوانات والفضاءات الطبيعية، في وقت تنفق فيه الدولة والبلديات ملايين الدنانير سنويا لمعالجة نفايات كان بالإمكان تفادي جزء كبير منها عبر نظام بسيط وفعال لاسترجاع القوارير.
لماذا لا تطبق تونس نظام « الوديعة »؟
في عدد كبير من الدول، لا تصبح القارورة نفاية بمجرد انتهاء محتواها، بل تتحول إلى سلعة لها قيمة مالية. يدفع المستهلك مبلغا رمزيا عند الشراء، ثم يستعيده كاملا عندما يعيد القارورة إلى نقطة البيع، لتعود إلى المصنع حيث تغسل وتعقم وتستعمل من جديد أو يعاد تدويرها.
هذا النظام رفع نسب استرجاع القوارير إلى مستويات مرتفعة، وخلق سلوكا بيئيا إيجابيا لدى المواطنين، وخفف من التلوث ومن تكاليف إدارة النفايات.
أما في تونس، فما زالت القارورة البلورية تخرج من المصنع في رحلة ذهاب فقط، لتنتهي غالبا في مكب للنفايات أو على قارعة الطريق أو في البحر.
مسؤولية المنتج… لا تنتهي عند البيع
أصبحت القوانين الحديثة في العالم تقوم على مبدأ « المسؤولية الممتدة للمنتج »، أي أن الشركة تبقى مسؤولة عن منتجها حتى بعد بيعه، بما في ذلك استرجاع العبوات وإعادة استعمالها أو تدويرها.
هذا المبدأ ليس عقوبة للمؤسسات، بل آلية لتحقيق التوازن بين الربح والمسؤولية. فمن غير المنطقي أن تتحمل الجماعات المحلية والمواطنون وحدهم كلفة إدارة مخلفات تحقق الشركات أرباحها من بيعها.
ولا بد من الإشارة إلى أن بعض الشركات التونسية لا تزال تعتمد نظام استرجاع القوارير البلورية، حيث يمكن للمستهلك إعادة القارورة الفارغة مقابل استرجاع قيمتها أو خصمها من عملية شراء جديدة. ويؤكد هذا النموذج أن إعادة الاستخدام ليست فكرة نظرية، بل ممارسة قائمة أثبتت نجاعتها اقتصاديا وبيئيا. غير أن هذا النظام ما يزال محدودا ولا يشمل جميع منتجي المياه والمشروبات المعبأة في الزجاج، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول أسباب عدم تعميمه، خاصة وأنه يحقق مصلحة جميع الأطراف: يخفف العبء المالي عن المستهلك، ويقلص كلفة الإنتاج بالنسبة للمصنع، ويحد من النفايات، ويخفف الضغط على البلديات ويحافظ على البيئة.
آن الأوان لتشريع جديد
لم يعد الأمر يحتمل الاكتفاء بحملات التوعية أو دعوات المحافظة على النظافة، لأن جوهر المشكلة يكمن في غياب منظومة قانونية تلزم المنتجين باسترجاع القوارير البلورية.
إن سن تشريع يفرض على منتجي المياه والمشروبات اعتماد نظام الوديعة واسترجاع القوارير لن يكون مجرد إجراء بيئي، بل سيكون إصلاحا اقتصاديا واجتماعيا يحقق عدة أهداف في آن واحد: حماية المستهلك، والحد من التلوث، وتقليص كلفة الإنتاج، وتخفيف العبء عن البلديات، ودعم الاقتصاد الدائري الذي تتجه إليه أغلب دول العالم.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة من السلطات ومن الشركات المنتجة على حد سواء: لماذا يظل المواطن التونسي يدفع ثمن القارورة في كل مرة، بينما لا يملك أي حق في استرجاع قيمتها بعد استعمالها؟ وإذا كانت القارورة تحتفظ بقيمتها بالنسبة إلى المصنع، فلماذا تفقدها فقط عندما تصبح في يد المستهلك؟
إن حماية البيئة لا تبدأ من مطالبة المواطن بعدم رمي القارورة في الطبيعة فحسب، بل تبدأ أيضا بإلزام من ينتجها بتحمل مسؤوليته الكاملة عنها. وعندما تصبح القارورة موردا يعود إلى دورة الإنتاج بدل أن تتحول إلى نفاية، سيكون الجميع رابحا: المستهلك، والاقتصاد، والبيئة، والأجيال القادمة.
« إذا كانت صناعة القوارير الزجاجية تعتمد جزئيا على مواد أولية مستوردة وعلى طاقة مرتفعة الكلفة، فإن استمرار التخلص من ملايين القوارير بعد استعمال واحد يمثل هدرا للعملة الصعبة والطاقة، في حين أن إعادة استعمال القارورة الواحدة عدة مرات تقلص الحاجة إلى استيراد جزء من المواد الأولية، وتخفض استهلاك الغاز والكهرباء، وتقلل انبعاثات الكربون. »



