الرئيسية آخر الأخبار مفاجأة من « نيتشر »: القرطاجنيون لم يكونوا فينيقيين كما اعتقدنا

مفاجأة من « نيتشر »: القرطاجنيون لم يكونوا فينيقيين كما اعتقدنا

0
5
blank
59.570.439

في اكتشاف علمي قد يغيّر أحد أكثر الفصول إثارة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط، كشفت دراسة جينية حديثة نُشرت في دورية نيتشر العلمية أن سكان قرطاج القديمة لم يكونوا، كما اعتقد المؤرخون لعقود طويلة، منحدرين في غالبيتهم من المستوطنين الفينيقيين القادمين من بلاد الشام، بل كانوا مجتمعًا متعدد الأعراق والأصول تشكل أساسًا من سكان شمال إفريقيا وشعوب البحر الأبيض المتوسط، بينما لم تمثل الأصول الفينيقية سوى جزء محدود من تركيبتهم الوراثية.

وتعد هذه الدراسة الأكبر من نوعها حتى الآن، إذ اعتمدت على تحليل الحمض النووي القديم لأكثر من 200 شخص عُثر على رفاتهم في 14 موقعًا أثريًا تمتد من تونس، حيث قامت مدينة قرطاج، إلى سردينيا وصقلية وجنوب إسبانيا ولبنان، بهدف رسم الخريطة الجينية للحضارة الفينيقية ومستعمراتها في غرب البحر الأبيض المتوسط.

blank

فرضية عمرها قرون تنهار

لطالما قدمت المصادر التاريخية، وخاصة الرومانية والإغريقية، قرطاج على أنها مدينة أسسها مهاجرون فينيقيون قدموا من مدينة صور، وحافظوا على نقاء أصولهم وثقافتهم حتى دمرت روما المدينة سنة 146 قبل الميلاد في نهاية الحرب البونية الثالثة.

لكن نتائج الدراسة الجديدة تقدم صورة مختلفة تمامًا.

فقد تبين أن معظم الأشخاص الذين عاشوا في قرطاج ومستعمراتها لا يحملون بصمة وراثية قوية تعود إلى بلاد الشام، وإنما ينحدرون من خليط واسع من:

  • سكان شمال إفريقيا.
  • سكان جنوب أوروبا.
  • شعوب جزر البحر الأبيض المتوسط مثل صقلية وسردينيا.
  • مع مساهمة جينية محدودة فقط من الفينيقيين القادمين من الشرق.

ويعني ذلك أن الحضارة القرطاجية كانت فينيقية الثقافة أكثر منها فينيقية الدم.

الثقافة انتشرت أكثر من السكان

وتقترح الدراسة أن الفينيقيين لم ينشروا حضارتهم عبر هجرات جماعية كما كان يعتقد سابقًا، وإنما عبر التجارة البحرية وإنشاء الموانئ والشراكات الاقتصادية.

فقد حمل التجار الفينيقيون معهم:

  • الأبجدية الفينيقية.
  • اللغة.
  • الديانة.
  • تقنيات الملاحة.
  • أساليب التجارة.

ثم تبنتها الشعوب المحلية تدريجيًا، لتتشكل حضارة جديدة هي الحضارة القرطاجية.

وبذلك يبدو أن النفوذ الفينيقي كان ثقافيًا واقتصاديًا أكثر منه استيطانيًا.

blank

قرطاج… أول مدينة عالمية؟

يرى الباحثون أن النتائج تكشف أن قرطاج كانت واحدة من أكثر مدن العالم القديم انفتاحًا.

فموقعها الاستراتيجي وسط البحر الأبيض المتوسط جعلها نقطة التقاء للقوافل والسفن القادمة من:

  • شمال إفريقيا.
  • شبه الجزيرة الإيبيرية.
  • إيطاليا.
  • صقلية.
  • سردينيا.
  • بلاد الشام.

ومع مرور القرون تشكل مجتمع شديد التنوع، يقوم على التجارة والتبادل الثقافي أكثر من الانتماء العرقي.

ولهذا يعتقد العلماء أن الهوية القرطاجية كانت تقوم على الانتماء السياسي والثقافي والديني، وليس على الأصل البيولوجي.

blank

اكتشاف عائلي مدهش

ومن أكثر النتائج إثارة التي توصل إليها الباحثون اكتشاف وجود صلة قرابة وثيقة بين شخصين دفنا في مكانين يفصل بينهما مئات الكيلومترات.

أحدهما دفن في شمال إفريقيا، بينما دفن الآخر في صقلية.

وأظهرت تحاليل الحمض النووي أنهما كانا على الأرجح ابني عم من الدرجة الثانية.

ويمثل هذا الاكتشاف دليلاً مباشرًا على كثافة حركة السكان بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وعلى أن القرطاجيين كانوا كثيري التنقل، سواء للتجارة أو للاستقرار أو للزواج.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لتاريخ تونس؟

تكشف الدراسة أن المجتمع الذي بنى قرطاج لم يكن مجتمعًا مغلقًا أو قائمًا على أصل عرقي واحد، بل كان ثمرة قرون من التفاعل بين سكان المنطقة والشعوب المتوسطية.

وهذا يعني أن قوة قرطاج لم تكن في « النقاء العرقي »، بل في قدرتها على استيعاب الشعوب المختلفة داخل منظومة اقتصادية وثقافية واحدة.

كما تعزز النتائج مكانة تونس القديمة باعتبارها مركزًا عالميًا للتجارة البحرية والهجرة والتبادل الحضاري، وهو ما يفسر الثراء الثقافي الذي ميز الدولة القرطاجية.

هل أخطأ المؤرخون؟

لا تعني الدراسة أن الروايات القديمة حول تأسيس قرطاج على يد الفينيقيين خاطئة بالكامل، لكنها تشير إلى أن تلك الروايات ركزت على النخبة المؤسسة وأغفلت التطور الديمغرافي الذي شهدته المدينة خلال القرون اللاحقة.

فمن المحتمل أن يكون المستوطنون الفينيقيون الأوائل قد شكلوا طبقة سياسية وتجارية محدودة العدد، بينما انضم إليهم تدريجيًا آلاف السكان المحليين وسكان الجزر المتوسطية، حتى أصبحت قرطاج مجتمعًا متعدد الأعراق.

ويقول عالم الوراثة في جامعة هارفارد وأحد المشاركين في الدراسة، ديفيد رايش، إن « الحمض النووي يكشف أن سكان قرطاج كانوا مزيجًا من أصول متعددة. كانت اللغة والثقافة فينيقيتين، لكن المجتمع نفسه كان يضم سكانًا من شمال إفريقيا وجنوب أوروبا والجزر المجاورة. لقد كانت الهوية القرطاجية قائمة على الثقافة المشتركة أكثر من قيامها على وحدة الأصل. »

إعادة كتابة تاريخ البحر الأبيض المتوسط

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على تاريخ قرطاج وحدها، بل تفتح الباب أمام إعادة تقييم تاريخ الاستعمار القديم بأكمله.

فبدل الصورة التقليدية التي تقوم على انتقال جماعات بشرية ضخمة لاحتلال الأراضي الجديدة، تشير الأدلة الجينية إلى أن الحضارات البحرية مثل الحضارة الفينيقية اعتمدت أساسًا على التجارة والتحالفات والتزاوج مع السكان المحليين، ما أدى إلى ظهور مجتمعات جديدة ذات هويات مختلطة.

ومع استمرار تحليل المزيد من الحمض النووي المستخرج من المواقع الأثرية، يتوقع العلماء أن تعاد كتابة فصول أخرى من تاريخ الحضارات القديمة، لكن ما أصبح واضحًا اليوم هو أن القرطاجيين لم يكونوا مجرد فينيقيين استقروا في شمال إفريقيا، بل كانوا حضارة متوسطية هجينة، تشكلت من تفاعل شعوب وثقافات متعددة، لتصبح إحدى أعظم القوى التي نافست روما لقرون طويلة.