في كل مرة يُطرح فيها “حل سحري” للأزمة الاقتصادية في تونس من داخل قبة البرلمان، يُفترض أن يكون السؤال الأول: هل يستند هذا المقترح إلى فهم فعلي لمنظومة الدولة المالية أم أنه مجرد فكرة انطباعية تبدو جذابة في الخطاب العام لكنها تصطدم بالواقع القانوني والمؤسساتي؟
المقترح الذي قدّمه النائب يسري بواب حول إمكانية توجيه “ذهب التونسيات” نحو البنك المركزي، وفتح حسابات بالذهب مقابل تعبئته لفائدة الاقتصاد الوطني، أعاد فتح نقاش أعمق من مجرد فكرة تقنية: نقاش حول حدود المبادرة التشريعية عندما تنفصل عن أبسط قواعد النظام المالي للدولة.
ففي التصور المتداول شعبياً، يبدو الأمر وكأنه “تجميع للذهب الراكد في البيوت” وضخه في الدورة الاقتصادية. غير أن هذا التصور يتجاهل نقطة جوهرية وبديهية في آن واحد: البنك المركزي التونسي ليس مؤسسة استقبال ودائع للأفراد، ولا يتعامل أصلاً مع المواطنين، رجالاً كانوا أو نساءً، سواء بالعملة أو بالذهب.
فوفق الإطار القانوني المنظم له، يقتصر دور البنك المركزي التونسي على إدارة السياسة النقدية، ضبط استقرار العملة، الإشراف على المنظومة البنكية، والاحتفاظ بالاحتياطي الرسمي للدولة من العملات الأجنبية والذهب. بمعنى آخر، الذهب الموجود لديه ليس “ذهب أفراد” بل جزء من الاحتياطي السيادي للدولة التونسية، ولا يمكن قانونياً ولا عملياً تحويله إلى منصة إيداع خاص للمواطنين.
الإشكال هنا لا يتعلق فقط بتفصيل تقني، بل بخلط واضح بين وظائف البنك المركزي ووظائف البنوك التجارية. فحتى في السيناريوهات الأكثر تطوراً لأنظمة “الادخار الذهبي”، تتم العمليات عبر مؤسسات مالية تجارية، تخضع لآليات السوق والرقابة، وليس عبر البنك المركزي الذي لا يفتح حسابات للأفراد ولا يحتفظ بودائعهم أصلاً.
من هذا المنظور، يصبح المقترح – بصيغته المتداولة – أقرب إلى تصور سياسي مبسط أكثر منه إلى آلية اقتصادية قابلة للتطبيق. وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول مسؤولية الخطاب البرلماني: هل يكفي أن يكون الطرح “جريئاً” أو “مبتكراً” ليكون قابلاً للنقاش التشريعي، أم أن الشرط الأول هو الانسجام مع الإطار القانوني والمؤسساتي القائم؟
المفارقة أن مثل هذه المقترحات، رغم طابعها غير الواقعي من الناحية التنفيذية، غالباً ما تجد صدى في النقاش العام لأنها تلامس هاجساً حقيقياً لدى المواطنين: البحث عن موارد داخلية بديلة وتقليل الارتهان للخارج. لكن تحويل هذا الهاجس إلى سياسات عمومية يتطلب أدوات مصرفية وتشريعية دقيقة، وليس قفزاً فوق طبيعة المؤسسات المالية نفسها.
في النهاية، تبقى قيمة أي مبادرة تشريعية مرتبطة بمدى انطلاقها من معرفة دقيقة بحدود الدولة وأدواتها. فالمشكلة ليست في البحث عن حلول، بل في تقديم حلول تبدو بسيطة أكثر مما ينبغي، إلى درجة أنها تتجاهل كيف تعمل الدولة فعلاً.

