حين صدر الأمر الرئاسي رقم 589 في سبتمبر 2023 (الرائد الرسمي) يقضي بإعادة رسم خريطة تونس وتقسيمها إلى خمسة أقاليم، استبشر كثيرون بالخطاب الرسمي المتفائل آنذاك . قيل وقتها إن ربط ولايات الداخل بالساحل عبر خطوط أفقية سينهي أخيراً عقوداً من التهميش، وسيعطي « للمناطق المنسية » صوتاً لتقرير مصيرها التنموي عبر مجالس محلية تنبع من نبض الشارع لا من مكاتب العاصمة الفوقية.
لكن اليوم، وبعد مرور أكثر من عامين على إطلاق هذا المشروع، وبدء العمل الفعلي للمجلس الوطني للجهات والأقاليم منذ ربيع 2024، يبدو أن جغرافيا السياسة تغيرت بالفعل على الورق، بينما بقيت جغرافيا الفقر والبطالة على حالها في مدن مثل القيروان والقصرين وقفصة.
لغة الأرقام لا تجامل: تباين حاد لم تكسره الخرائط الجديدة
إذا نظرنا إلى المعطيات الرسمية الصادرة مؤخراً عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، سنكتشف أن الفجوة التنموية القديمة بين الساحل والداخل ما زالت تنبض بالحياة؛ فالقيروان، رغم كل الوعود، لا تزال تستقر في قاع مؤشر التنمية الجهوية بمعدل مخيب لا يتجاوز (0.36)، تليها مباشرة ولاية القصرين التي تعاني من قلة الاستثمارات الخاصة وضعف البنية التحتية الجاذبة بمؤشر قدره (0.37).
أما قفصة، فقصتها لا تختلف كثيراً؛ إذ لا يزال اقتصادها المحلي يدور في حلقة مفرغة مرتبطة بأزمات قطاع الفوسفات والحوض المنجمي، دون وجود رؤية حقيقية لتنويع مصادر الرزق لأبنائها. وفي المقابل، تواصل الحواضر الساحلية الكبرى مثل تونس العاصمة وسوسة والمنستير تصدر مشهد الثروة والاستثمار. هذا التباين الصارخ يثبت أن فكرة « التكامل التلقائي » بمجرد دمج ولايات الداخل والساحل في إقليم واحد كانت أقرب للتمني منها إلى الواقع الاقتصادي؛ فرأس المال بطبعه يبحث عن بيئة جاهزة من طرقات سيارة ومستشفيات كبرى ومرافق لوجستية، وهي مقومات لا تزال مناطق الداخل تفتقر إليها بشدة.
ما وراء جدران المجالس: تخطيط بلا تمويل
السؤال الذي يطرحه الشارع التونسي بمرارة اليوم: ماذا فعلت مجالس الأقاليم منذ تأسيسها؟ والجواب يكمن في البنية الهيكلية والمالية للدولة؛ فكل ما تم إنجازه حتى الآن لم يتعدَّ الجلسات الماراثونية والنقاشات لصياغة مقترحات مشاريع تم دمجها في مسودة مخطط التنمية القادم (2026-2030). ورغم أن هذه الخطط تشمل أفكاراً ممتازة لتحديث شبكات الطرقات ودعم المشاريع الصغرى بالداخل، إلا أنها تصطدم فوراً بحائط التمويل المسدود.
تعيش تونس اليوم تحت وطأة ضغوط مالية خانقة، وحيز مناورة ضيق في الموازنة العامة بسبب كلفة الدين العام المرتفعة، ما يجعل الدولة عاجزة عن ضخ استثمارات عمومية ضخمة بالداخل. يضاف إلى ذلك معضلة قانونية وسيادية هامة؛ فالأقاليم والمجالس الجديدة لا تملك حتى الآن صلاحية جباية ضرائب محلية خاصة بها أو إصدار سندات تمويل ذاتية، مما يجعلها مجرد وسيط إداري ينتظر الضوء الأخضر والميزانية من السلطة المركزية في القصبة.
المواطن البسيط.. القفة تسبق « الإقليم »
في أسواق القيروان ومقاهي القصرين وأحياء قفصة، لا يعني مفهوم « الإقليم » الكثير للمواطن العادي؛ فالأولوية هناك للقفة اليومية وللعيش الكريم في ظل موجات تضخم وارتفاع أسعار لا تهدأ. الشباب من حاملي الشهادات العليا لا يزالون يواجهون معدلات بطالة تفوق ضعف المعدل الوطني في بعض المعتمديات، والخدمات الصحية تعاني من غياب شبه تام لأطباء الاختصاص، ناهيك عن أزمات انقطاع مياه الشرب المتكررة التي تحول الصيف إلى كابوس حقيقي.
بالنسبة للناس هناك، تبدو المجالس الجديدة كـ »ديكور سياسي » لم يغير شيئاً في تفاصيل حياتهم القاسية. فالخطابات التي قيلت عام 2023 عن محاربة الفساد والبيروقراطية وتوزيع الثروة بشكل عادل، بقيت حبراً على ورق في نظر عائلات تجد صعوبة بالغة في مجابهة غلاء المعيشة الأساسي.
إن العبرة المستخلصة اليوم هي أن نجاح التقسيم الإقليمي في تونس لن يتحقق بتغيير العناوين الإدارية، بل بالانتقال الجريء نحو لامركزية مالية حقيقية، وبناء بنية تحتية تربط مدن الداخل بالأسواق العالمية، وإقرار حوافز ضريبية حقيقية تدفع المستثمر نحو الداخل دفعاً. وبدون هذه الخطوات الشجاعة، ستظل الخريطة التونسية الجديدة مجرد خطوط ملونة على الورق، وستبقى القيروان والقصرين وقفصة مناطق تصدر شبابها نحو قوارب الهجرة، في انتظار استثمار حقيقي يعيد لها وجه الحياة.



