مع تواصل موجات الحر وبلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية في عدد من مناطق تونس، عاد الحديث عن قدرة جسم الإنسان على التكيف مع هذه الظروف المناخية القاسية، خاصة بعد أن سجلت بعض الجهات درجات حرارة تجاوزت 45 درجة مئوية.
وفي هذا السياق، قدم الخبير البيئي حمدي حشاد شرحا مبسطا لكيفية تعامل جسم الإنسان مع الحرارة المرتفعة، موضحا أن الجسم يمتلك نظاما دقيقا لتنظيم حرارته يعمل بشكل مستمر للحفاظ عليها في حدود 37 درجة مئوية، حتى عندما ترتفع درجات الحرارة الخارجية بشكل كبير.
وأوضح حشاد أن هذه العملية تنطلق من مركز تنظيم الحرارة الموجود في الدماغ، وتحديدا في منطقة تعرف باسم « الوطاء »، والتي تعمل بمثابة « منظم حرارة » طبيعي يراقب باستمرار درجة حرارة الجسم.
وأضاف أنه بمجرد رصد أي ارتفاع في حرارة الجسم، يرسل الوطاء إشارات فورية لإطلاق سلسلة من الاستجابات الطبيعية بهدف تبريد الجسم ومنع ارتفاع حرارته إلى مستويات خطيرة.
ومن بين أولى هذه الاستجابات، وفق الخبير، توسع الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد، ما يسمح بوصول كمية أكبر من الدم إلى الجلد والتخلص من جزء من الحرارة نحو الوسط الخارجي.
كما تبدأ الغدد العرقية في إفراز العرق، غير أن عملية التبريد لا تتحقق بوجود العرق في حد ذاته، وإنما من خلال تبخره من سطح الجلد، حيث تستهلك عملية التبخر جزءا من حرارة الجسم، وهو ما يؤدي إلى خفض درجة حرارته.
وأشار حشاد إلى أن الجسم يعتمد أيضا على آلية أخرى تتمثل في التقليل من إنتاج الحرارة الداخلية، وهو ما يفسر شعور الإنسان بالتعب والإرهاق وانخفاض الرغبة في القيام بمجهود بدني خلال موجات الحر.
وأكد أن هذا الإحساس لا يعد علامة على ضعف الجسم، بل يمثل آلية دفاع طبيعية تهدف إلى الحد من إنتاج المزيد من الحرارة.
غير أن الخبير حذر من أن هذه المنظومة ليست قادرة على العمل بكفاءة في جميع الظروف، إذ تصبح أقل فعالية عندما ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع نسبة الرطوبة.
وأوضح أن الرطوبة العالية تقلل من سرعة تبخر العرق، وهو ما يضعف قدرة الجسم على التخلص من الحرارة، وقد يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الجسم الداخلية، وبالتالي زيادة خطر الإصابة بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس، وهي حالة طبية تستوجب التدخل السريع.
واعتبر حشاد أن موجات الحر التي أصبحت أكثر تكرارا بفعل التغيرات المناخية تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة جسم الإنسان على التكيف، مشيرا إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يدفع منظومة تنظيم الحرارة في الجسم إلى الاقتراب من حدودها الفيزيولوجية.
ودعا في هذا الإطار إلى الالتزام بالإجراءات الوقائية، وفي مقدمتها الإكثار من شرب المياه، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، والبحث عن أماكن مظللة أو مكيفة، إلى جانب التقليل من المجهود البدني، مؤكدا أن هذه التوصيات لم تعد مجرد نصائح عامة، بل أصبحت وسائل أساسية لحماية الجسم والحفاظ على الصحة في ظل موجات الحر المتزايدة.



