الرئيسية آخر الأخبار تراجع محصول الحبوب في تونس: لماذا لا تعكس كميات التجميع حجم الصابة...

تراجع محصول الحبوب في تونس: لماذا لا تعكس كميات التجميع حجم الصابة الحقيقي؟

0
30
blank

أثار الإعلان عن تجميع نحو 11 مليون قنطار من الحبوب مع نهاية موسم 2025-2026 جدلا واسعا، خاصة بعد التوقعات الرسمية التي تراوحت بين 19 و22 مليون قنطار. غير أن هذا الجدل كشف أيضا عن خلط متكرر بين مفهوم الصابة ومفهوم التجميع، وهما رقمان مختلفان ولا يمكن اعتبارهما مترادفين.

ويؤكد مختصون في القطاع أن الصابة تعني إجمالي الإنتاج الفعلي من الحبوب الذي تم جنيه في مختلف مناطق البلاد، في حين أن التجميع يقتصر على الكميات التي يسلمها الفلاحون إلى مراكز التجميع المعتمدة. وبالتالي فإن جزءا مهما من الإنتاج لا يمر عبر هذه المراكز، بل يبقى لدى الفلاحين لاستعمالات مختلفة.

وبالاستناد إلى تقديرات عدد من الخبراء، بلغت صابة موسم 2024-2025 حوالي 19 مليون قنطار، في حين لم تتجاوز الكميات المجمعة آنذاك 12 مليون قنطار. أما خلال موسم 2025-2026، فتشير التقديرات إلى أن الصابة قد تكون في حدود 17 مليون قنطار، رغم أن الكميات المجمعة لم تتجاوز نحو 11 مليون قنطار.

ويفسر هذا الفارق بعدة عوامل، أبرزها احتفاظ الفلاحين بجزء من محصول القمح كبذور للموسم الفلاحي المقبل، وهي كميات تتراوح عادة بين 1.5 ومليوني قنطار. كما يحتفظ مربو الماشية بجزء مهم من محصول الشعير لاستعماله كعلف، وتقدر هذه الكميات بحوالي 4 ملايين قنطار، إلى جانب كميات أخرى تخصص للاستهلاك الذاتي، سواء في إعداد « البسيسة » أو خبز « الطابونة » وغيرها من الاستعمالات المنزلية.

وفي المقابل، يؤكد المختصون أن التراجع الذي عرفه الموسم الحالي مقارنة بالتوقعات الأولية يعود أساسا إلى الظروف المناخية الاستثنائية التي شهدتها البلاد خلال مرحلة دقيقة من دورة نمو القمح، وليس إلى نوعية البذور المستعملة.

وتتمثل هذه المرحلة في الإزهار والتلقيح، وهي الفترة التي تتكون خلالها الحبوب داخل السنابل. وعندما تتزامن هذه المرحلة مع موجات حر قوية أو رياح الشهيلي، ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تؤثر في عملية الإخصاب، فتحدث ظاهرة تعرف علميا بـ »إجهاض الأزهار ».

ويترتب عن ذلك استمرار نمو السنابل من الخارج بشكل طبيعي، لكنها تكون فارغة كليا أو تحتوي على عدد محدود من الحبوب الممتلئة، وهو ما ينعكس مباشرة على المردودية النهائية، حتى وإن بدت الحقول في مظهر جيد خلال مراحل النمو.

ويشير المختصون إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة في تونس، بل تم تسجيلها في عدة مواسم سابقة كلما تزامنت موجات الحر مع فترة الإزهار، كما أنها معروفة في مختلف البلدان المنتجة للحبوب، وتعد من أبرز آثار التغيرات المناخية على إنتاج القمح والشعير.

وبذلك، فإن ظاهرة « السنابل الفارغة » ترتبط أساسا بالتأثير المباشر للحرارة المرتفعة خلال فترة التلقيح، ولا تمثل دليلا على ضعف جودة البذور أو على التخلي عن الأصناف المحلية لفائدة البذور الموردة.

وكان وزير الفلاحة عز الدين بن الشيخ قد أعلن في 6 ماي 2026 أن صابة الحبوب ستتراوح بين 19 و20 مليون قنطار، قبل أن يرفع تقديراته في 9 جوان إلى نحو 22 مليون قنطار. إلا أن الكميات المجمعة إلى غاية غرة أوت 2026 بلغت حوالي 11 مليون قنطار، وهو رقم يعكس حجم الحبوب التي دخلت مسالك التجميع الرسمية، وليس بالضرورة إجمالي الإنتاج الوطني، خاصة مع احتفاظ الفلاحين بجزء مهم من المحصول لأغراض البذور والأعلاف والاستهلاك الذاتي، إلى جانب التأثير الواضح لموجات الحر التي ضربت البلاد خلال المرحلة الحاسمة من تكوين الحبوب.