أعادت المنصة الدولية المتخصصة « سنة الطاقة » تسليط الأضواء على واحد من أعقد ملفات الطاقة في منطقة شمال إفريقيا، عقب إعلان الشركة الليبية التونسية المشتركة للنفط عن إطلاق جولة مناقصات جديدة تبدأ في سبتمبر المقبل لاستكشاف وتطوير حقل « الزارات » للغاز والمكثفات الواقع في خليج قابس.
ورغم البريق الاستثماري الذي يحمله الإعلان، والأرقام الضخمة التي تتحدث عن احتياطيات تقدر بـ 0.4 تريليون قدم مكعب من الغاز و50 مليون برميل من السوائل النفطية، إلا أن الشارع الاقتصادي يستقبل هذه الأخبار بكثير من التوجس والتشكيك. فالمشروع ليس جديداً، بل هو « ملف مزمن » يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً منذ اكتشافه أول مرة عام 1992 دون أن يرى قطرة إنتاج واحدة.
لماذا انسحب الكنديون؟
أبرز علامات الاستفهام المحيطة بالحقل ترتبط بالانسحاب التاريخي للشركات الأجنبية، وعلى رأسها شركة « مصادر الطاقة المحدودة » الكندية النشأة، والتي كانت تقود عمليات الاستكشاف والتطوير في الجزء التونسي من الامتياز.
لم يكن خروج الكنديين مجرد قرار تجاري عابر، بل جاء نتيجة اصطدامهم بثلاث عقبات رئيسية جعلت من المشروع « مقبرة للمستثمرين »:
- التعقيد الفني والجيولوجي: تبين بعد الدراسات الفنية المعمقة أن الغاز الموجود في حقل « الزارات » يحتوي على نسب عالية جداً من غاز ثاني أكسيد الكربون والشوائب. معالجة هذا النوع من الغاز وفصله تتطلب تكنولوجيا فائقة التعقيد ومنشآت معالجة خاصة مكلفة للغاية، مما يقلل بشكل حاد من الجدوى الاقتصادية للمشروع.
- النزيف المالي والاضطراب: في أواخر عام 2015، وصلت الشركة الكندية إلى طريق مسدود نتيجة الأزمة المادية الخانقة وتراجع أسعار النفط العالمية آنذاك، مما دفعها لإعلان تخليها الكامل عن أصولها في تونس والبحث عن مشترٍ، لتفادي إفلاس محقق بسبب الكلفة الباهظة لتطوير « الزارات » والتي تتجاوز مليار دولار.
- البيروقراطية وغياب الاستقرار: واجه المستثمرون شبكة معقدة من القوانين واتفاقيات التشغيل المشترك الواجب صياغتها بدقة بين دولتين (تونس وليبيا). ومع غياب الاستقرار السياسي في المنطقة وتغير التشريعات الاستثمارية، فضلت الشركات الأجنبية الانسحاب بدلاً من المغامرة برؤوس أموالها في بيئة تشريعية ضبابية.
الشركة المشتركة.. 38 عاماً بلا إنجاز
تأسست الشركة الليبية التونسية المشتركة للنفط في أغسطس 1988 بموجب اتفاقية بين البلدين (مملوكة مناصفة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة أولا للطاقة الليبية). وعلى مدار نحو 38 عاماً من وجودها، يرى مراقبون أن الشركة تحولت إلى « واجهة خاملة » تقتصر أنشطتها على تدوير العطاءات وتحديث الجداول الزمنية دون تحقيق أي اختراق ميداني، وكان آخرها جولة مفاوضات باءت بالفشل أواخر عام 2023.
فرصة أخيرة أم إعادة تسويق للوهم؟
تأتي جولة سبتمبر المقبل، والتي تمتد حتى ديسمبر، مستعينة بالمستشار الاستراتيجي الدولي شركة « مويس وشركاؤه »، كـ « محاولة إنعاش يائسة » يقودها البلدان لتعويض التراجع الحاد في إنتاجهما المحلي من الطاقة ومواجهة العجز الطاقي المتفاقم.
لكن يبقى السؤال الجوهري المطروح في الصالونات الاقتصادية: هل تنجح اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج المعدلة في إقناع غيلان النفط العالمية بالعودة إلى حقل هجره الكنديون وتركوه خلفهم كأثر بعد عين؟ أم أن الجولة القادمة لن تعدو كونها حلقة جديدة في مسلسل الانتظار الممتد منذ 34 عاماً؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كان حقل « الزارات » سيتحول إلى شريان طاقة حقيقي، أم سيظل مجرد حبر على ورق الصفقات المؤجلة.



