أكدت الفيزيائية التونسية فوزية الشرفي أن مستقبل المجتمعات الإسلامية مرتبط بقدرتها على الفصل بين البحث العلمي والمعتقدات الدينية، محذرة من توظيف الدين في مواجهة النظريات العلمية أو تحويل النصوص الدينية إلى مصدر للمعرفة الفيزيائية والبيولوجية.
وفي حوار أجراه معها الباحث الإيطالي ستيفانو بيلياردي ونشره موقع كْوِيري أون لاين الايطالي يوم أمس 7 سبتمبر 2026، استعرضت الشرفي مسيرتها العلمية والسياسية، وتحدثت عن واقع البحث العلمي في تونس والعلاقة بين الإسلام والعلم وصعود الأفكار شبه العلمية داخل الجامعات.
من صفاقس إلى السوربون
تعود الشرفي إلى بداياتها في صفاقس، حيث درست قبل أن تنتقل إلى باريس لدراسة الفيزياء في السوربون، متأثرة بوالدها الصيدلي وعالم الأحياء وبشغفه بالبحث العلمي.
وعادت إلى تونس سنة 1964 لتدريس الفيزياء في كلية العلوم والمدرسة العليا للأساتذة. لكنها اعتُقلت سنة 1968 وحُكم عليها بسبب انتمائها إلى مجموعة «آفاق»، قبل أن تستأنف مسيرتها الأكاديمية سنة 1969.
وتخصصت الشرفي في فيزياء أشباه الموصلات، وأسست أول فريق بحث تونسي في هذا المجال، كما ساهمت في تأسيس الجمعية التونسية للفيزياء، قبل أن تُحال على التقاعد سنة 2002.
غير أن اهتمامها لم يتوقف عند الفيزياء، إذ قادتها تجربتها الجامعية إلى البحث في العلاقة بين العلم والإسلام، خصوصاً بعد أن واجهت، في بداية الثمانينيات، اعتراضات من طلبة رفضوا بعض مبادئ النسبية الخاصة لأسباب دينية.
وترى الشرفي أن تلك الحادثة كشفت بداية تسلل أفكار تعتبر العلم الحديث «غربياً» وغريباً عن الثقافة الإسلامية.
«لا يمكن أن نبقى مستهلكين للعلم»
وتعتبر الشرفي أن المشكلة الأساسية في العالم الإسلامي ليست في الدين، وإنما في طريقة توظيفه وفي غياب التفكير النقدي.
وقالت إن الدول الإسلامية مطالبة بالانتقال من موقع مستهلك العلم إلى منتج للعلم، وهو أمر لا يمكن تحقيقه من دون «عقل حر».
وتنتقد في هذا السياق ضعف تمويل البحث العلمي في تونس، وعدم وجود سياسات واضحة ومستقرة لدعم البحث الأساسي، إضافة إلى الصعوبات التي يواجهها الباحثون التونسيون في السفر والمشاركة في المؤتمرات والعمل داخل المختبرات الأجنبية.
وترى أن تونس، رغم مشاكلها، تظل من الدول الإسلامية التي حققت تقدماً مهماً في مجال التعليم، لكنها تحذر في المقابل من تراجع مكانة المدرسين وتنامي الاعتماد على التعليم الخاص.
أطروحة «الأرض الثابتة» تعيد الجدل
وتوقفت الشرفي مطولاً عند قضية أطروحة جامعية أثارت جدلاً واسعاً في تونس سنة 2017، بعدما تناولت أفكاراً مرتبطة بثبات الأرض ونظريات مناهضة للنموذج العلمي الحديث.
وترى أن القضية كشفت خطورة الخلط بين الحرية الأكاديمية والحرية في نشر الأفكار غير العلمية، مشيرة إلى أن لجنة علمية رفضت في النهاية السماح بمناقشة الأطروحة.
كما شددت على أن تاريخ الحضارة الإسلامية نفسه يدحض فكرة أن العلم الحديث يتعارض بالضرورة مع الثقافة الإسلامية، مستشهدة بعلماء مثل البيروني والجاحظ وابن خلدون، الذين تعاملوا مع قضايا الطبيعة والحياة بمنهج قائم على البحث والتساؤل.
«الإعجاز العلمي» في القرآن يسيء إلى الدين والعلم
وتعارض الشرفي بشدة ما يعرف بـ«الإعجاز العلمي في القرآن»، معتبرة أن محاولة استخراج نظريات الفيزياء والبيولوجيا من النص القرآني تمثل، في نظرها، تشويهاً مزدوجاً للدين والعلم.
وتقول إن القرآن بالنسبة إليها نص روحي، وإن وجود إشارات إلى الكون والطبيعة لا يعني أنه كتاب في الفيزياء أو البيولوجيا.
وترى أن الخطر يكمن خصوصاً في تأثير هذه الأفكار على الشباب، لأنها قد تجعلهم يعتقدون أن المعرفة العلمية موجودة مسبقاً في النصوص الدينية، بدلاً من تشجيعهم على البحث والاكتشاف.
وتؤكد في المقابل أن الإيمان والعلم يمكن أن يتعايشا عندما يبقى كل منهما في مجاله، مستشهدة بالفيزيائي الباكستاني والحائز على نوبل عبد السلام، الذي رأى أن معتقداته الدينية لا ينبغي أن تتدخل في عمله الفيزيائي.
التطور والدين
وتطرقت الشرفي أيضاً إلى نظرية التطور، مؤكدة أن تدريسها في تونس تعرض خلال العقود الماضية إلى تراجع، خصوصاً بعد تقليص تدريسها في بعض المسارات التعليمية.
وترى أن التعامل مع نظرية التطور لا يجب أن يتحول إلى مواجهة مع الدين، مشيرة إلى وجود علماء وفلاسفة مسلمين في التاريخ ناقشوا تغير الكائنات وتأثير البيئة فيها من دون اعتبار الموضوع محرماً.
وتدعو في هذا السياق إلى تعليم تاريخ العلوم وتاريخ الأفكار والأديان منذ المراحل الدراسية الأولى، معتبرة أن التلميذ يحتاج إلى معرفة كيفية تشكل الأفكار العلمية وكيف تطورت، لا إلى حفظ النتائج فقط.
العلم أولاً في مواجهة الذكاء الاصطناعي
وبخصوص المستقبل، تعتبر الشرفي أن العالم الإسلامي لا يستطيع الاكتفاء باستخدام التكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، خصوصاً مع صعود الذكاء الاصطناعي.
وتحذر من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تكنولوجيا ظهرت فجأة، موضحة أن جذوره تمتد إلى قرون من التطور العلمي، من اكتشاف كروية الأرض إلى الثورة الكوبرنيكية والفيزياء الكمية وأشباه الموصلات.
وترى أن المطلوب هو بناء منظومة تنتج العلماء والفلاسفة والمؤرخين وعلماء الاجتماع القادرين على التفكير النقدي واستخدام المنهج العلمي.
وتخلص الشرفي إلى أن المنهج العلمي عالمي ولا ينتمي إلى دين أو حضارة بعينها، وأن للمعتقد الديني مكانته، لكن الخلط بين المجال الديني والمجال العلمي، بحسب رأيها، يهدد قدرة المجتمعات الإسلامية على إنتاج المعرفة ومواكبة المستقبل.
