في وقت تتسارع فيه التحولات العالمية في صناعة السيارات نحو الكهرباء والتنقل الذكي، بدأت تونس في إعادة صياغة موقعها داخل هذه الصناعة، من بلد متخصص أساساً في تصنيع مكوّنات السيارات لفائدة الشركات الأوروبية، إلى مركز صناعي وتكنولوجي يستهدف تطوير حلول التنقل الكهربائي والمنافسة في أسواق جديدة، بما فيها السوق الإفريقية.
هذا التحول سلطت عليه الضوء اليوم، الجمعة 18 سبتمبر 2026، المجلة الألمانية المتخصصة «تيبل بريفينغز»، في تقرير حمل عنواناً لافتاً حول طموح تونس للتحول إلى مركز للابتكار في صناعة السيارات بشمال إفريقيا.
وجاء التقرير بالتزامن مع مشاركة تونس في معرض المعرض الدولي للنقل 2026 بمدينة هانوفر الألمانية، حيث تقيم الجمعية التونسية لمصنّعي مكونات السيارات ومجمع الصناعات الميكاترونية التونسي جناحاً يحمل اسم «التنقل الكهربائي من تونس» ويجمع ست شركات تونسية تعمل في مجالات التنقل الكهربائي، والتنقل الذكي، والهندسة، والهيدروجين، والخدمات اللوجستية.
3.9 مليار يورو صادرات و120 ألف موطن شغل
وبحسب الجمعية التونسية لمصنّعي مكونات السيارات، يضم القطاع حالياً قرابة 300 شركة ويوفر نحو 120 ألف موطن شغل، فيما بلغت صادراته حوالي 3.9 مليار يورو خلال سنة 2025، بمعدل نمو سنوي قدره 16 بالمائة منذ 2018.
وتتصدر ألمانيا وجهات الصادرات التونسية في هذا القطاع بنسبة 37 بالمائة، تليها فرنسا بـ21 بالمائة، ثم رومانيا بـ12 بالمائة وإيطاليا بـ11 بالمائة.
وتشير وكالة تونس إفريقيا للأنباء إلى أن صادرات قطاع السيارات التونسي مرشحة للارتفاع إلى حوالي 4.2 مليار يورو مع نهاية 2026، وفق تصريحات لنائب رئيس الجمعية التونسية لمصنّعي مكونات السيارات.
لكن الرهان التونسي لم يعد مقتصراً على زيادة حجم صادرات المكونات.
تونس تريد الانتقال إلى مرحلة جديدة
ونقلت المجلة الألمانية عن إبراهيم دبّاش من الجمعية التونسية لمصنّعي مكونات السيارات قوله إن تونس تريد الدخول إلى مرحلة جديدة وإظهار ما تستطيع الصناعة التونسية القيام به، معتبراً أن بإمكان البلاد دعم التحول الأوروبي في مجال الطاقة وتوفير بديل للمنافسين الآسيويين.
ويتمثل أحد أهم محاور هذا التوجه في الاستفادة من قاعدة صناعية موجودة أصلاً في تونس، ثم تطويرها باتجاه مكونات السيارات الكهربائية والأنظمة الإلكترونية والبرمجيات والهندسة والبحث والتطوير.
وتبرز في هذا السياق شركة كوفيكاب التونسية لصناعة ضفائر السيارات، التي أصبحت من كبار المصنعين العالميين في هذا المجال وتتعامل مع شركات سيارات دولية كبرى، وفق ما أوردته المجلة الألمانية نقلاً عن الشركة.
«مدينة السيارات الذكية».. مشروع بـ200 هكتار
وتعمل تونس بالتوازي على إنشاء بيئة صناعية وتكنولوجية جديدة من خلال مشروع «مدينة السيارات الذكية»، وهي منطقة صناعية متخصصة في صناعة السيارات يفترض أن تمتد على نحو 200 هكتار وتضم وحدات صناعية ومخابر للبحث والتطوير ومراكز للتكوين وفضاءات تكنولوجية.
وتقول الجمعية التونسية لمصنّعي مكونات السيارات إن المشروع يندرج ضمن هدف تحويل تونس إلى قطب صناعي وتكنولوجي تنافسي على المستوى الدولي.
وكان قطاع السيارات محور ورشة دولية انعقدت في تونس خلال شهر جوان الماضي ضمن منتدى تونس للاستثمار، وركزت على التنقل الكهربائي والاتصال والابتكار والبحث والتطوير والتحول الطاقي.
ألمانيا حاضرة بقوة
ولا يقتصر التحول على المشاريع الحكومية أو المبادرات التونسية.
فالشركة الألمانية درايكسلماير تعمل منذ 2023 على تطوير مركزها في سوسة، المعروف باسم «مركز سوسة»، بهدف توفير فضاء للبحث وتطوير حلول مرتبطة بالتنقل المستدام، مع إمكانية احتضان ما يصل إلى ألف خبير.
ويعكس ذلك، بحسب التقرير الألماني، انتقال جزء من النشاط التونسي تدريجياً من الإنتاج الصناعي التقليدي إلى مجالات أكثر ارتباطاً بالهندسة والابتكار والتكنولوجيا.
«حلول مستدامة من تونس وليس من الصين فقط»
ومن أبرز المشاريع التي تستهدف التنقل الكهربائي تطوير تعاون بين مجمع الميكاترونية التونسي وشركات محلية في صناعة البطاريات والدراجات الكهربائية.
وبحسب التقرير، أفضى هذا التعاون بين مجموعة الأسعد لصناعة البطاريات وشركة سوروس للدراجات الكهربائية إلى تطوير بطارية ليثيوم قابلة للتبديل للمركبات الخفيفة.
وتقول مسؤولة الابتكار في مجمع الميكاترونية التونسي، سوار الحرشاني، إن الهدف هو تطوير حلول جديدة في مجالات التنقل الكهربائي والتنقل الخفيف، وإثبات أن الحلول المستدامة لا تأتي من الصين وحدها، وإنما يمكن تطويرها أيضاً في تونس.
تونس تتجه جنوباً.. نحو السوق الإفريقية
ولا تتوقف الخطة عند أوروبا.
فتونس تسعى في الوقت نفسه إلى الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لتوسيع حضور صناعاتها في الأسواق الإفريقية، مع العمل على إقامة شراكات مع دول من بينها كينيا وأوغندا وساحل العاج وغانا.
وفي السنغال، وقّعت شركة سوروس التونسية اتفاق تعاون مع شركاء سنغاليين في مجال التنقل الكهربائي. كما شاركت شركات تونسية عديدة في معرض «سيناوتو» في داكار، ضمن توجه لإقامة شراكات صناعية داخل القارة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق التطورات المرتبطة بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تعمل على وضع قواعد منشأ للمنتجات والسيارات تسمح بالاستفادة من المعاملة التفضيلية عندما تستوفي المنتجات النسبة المطلوبة من المكونات الإفريقية.
التحدي الأكبر: الكفاءات
ورغم هذه الطموحات، يواجه القطاع تحدياً مهماً يتعلق بتوفير الكفاءات، وخاصة في مستويات الإدارة الوسطى والتخصصات التي تحتاجها الصناعة الحديثة.
وتشير التقييمات الألمانية إلى أن نقص بعض الكفاءات المتخصصة في قطاع السيارات يمثل عائقاً أمام مزيد من الاستثمار والنمو في التشغيل، وهو ما دفع إلى إطلاق أكاديمية الإدارة التونسية للسيارات سنة 2022 لتطوير مهارات العاملين وفق نموذج يجمع بين التكوين النظري والتطبيقي.
وبذلك تبدو المعركة المقبلة بالنسبة إلى تونس مختلفة عن مرحلة جذب مصانع مكونات السيارات فقط: الرهان أصبح على الهندسة والبرمجيات والبطاريات والتنقل الكهربائي والبحث والتطوير والأسواق الإفريقية.
وفي هانوفر، حيث تعرض تونس هذه الأيام منتجات شركاتها أمام كبار الفاعلين العالميين في قطاع النقل، تحاول البلاد تقديم نفسها ليس فقط كمصنع قريب من أوروبا، وإنما كجزء من سلسلة القيمة الجديدة لصناعة السيارات الكهربائية والتنقل الذكي.
