أثار قرار وزارة التجارة وتنمية الصادرات، الصادر أمس الأربعاء 19 أوت 2026، والمتعلق بضبط هوامش الربح الخام القصوى وأسعار البيع للعموم للمياه المعدنية المعلبة، نقاشاً حول مدى قدرة التسقيف الإداري للأسعار على معالجة الاضطراب الذي تشهده السوق التونسية، في ظل النقص المسجل في عدد من نقاط البيع وارتفاع الطلب خلال موجة الحر الأخيرة.
وينص القرار، الذي دخل حيز التنفيذ بداية من أمس، على تحديد هامش الربح الخام الأقصى بنسبة 15 بالمائة للقارورة على مستوى التوزيع بالجملة، و15 بالمائة على مستوى التوزيع بالتفصيل. كما حدد أسعار البيع القصوى للعموم حسب سعة القارورة، بـ600 مليم لقارورة نصف لتر، و800 مليم لقارورة لتر واحد، و850 مليماً لقارورة لتر ونصف، و950 مليماً لقارورة سعة لترين.
وبحسب القرار، تُحتسب هوامش الربح على أساس أسعار الشراء الصافية المثبتة بالفواتير، كما ألزمت الوزارة مختلف المتدخلين في القطاع باعتماد مسالك التوزيع المنظمة، وتسوية وضعياتهم الجبائية، واحترام واجب الفوترة والبيانات القانونية الإلزامية الواردة فيها.
كما يتعين على المتعاملين الاستظهار بالفواتير عند أول طلب أثناء عمليات المراقبة التي يمكن أن تشمل محلات البيع والخزن ووسائل النقل، وذلك للتثبت من احترام الأسعار وهوامش الربح المحددة. وتتعرض المخالفات للمعاينة والتتبع والزجر وفق التشريعات الجاري بها العمل.
آرام بلحاج: المشكلة ليست في آخر الحلقة
في قراءة اقتصادية للقرار، يرى الخبير الاقتصادي آرام بلحاج أن الإجراء الحكومي يستهدف الحلقة الأخيرة من سلسلة القيمة، أي التوزيع والتسعير، بينما يكمن الإشكال الحقيقي، في تقديره، في بداية السلسلة، أي في الإنتاج.
وقال بلحاج إن قرار تسقيف الأسعار «هو تدخل يخص آخر حلقات سلاسل القيمة وهو التوزيع والتسعير بينما الإشكال الحقيقي يكمن في أول الحلقة وهو الإنتاج».
ويعتبر الخبير أن هذا التوجه يعكس، في تقديره، نمطاً كلاسيكياً في السياسة الاقتصادية التونسية يقوم أساساً على اتخاذ قرارات إدارية سريعة لضبط الأسعار، عوض التوجه نحو حلول قادرة على معالجة الأسباب البنيوية للمشكلة.
وتأتي هذه الملاحظة في وقت شهدت فيه السوق خلال الأسابيع الأخيرة اضطرابات في التزود بالمياه المعدنية المعلبة، تزامنت مع ارتفاع استثنائي في درجات الحرارة وزيادة قوية في الطلب، إضافة إلى تأثير اضطرابات التزويد بالكهرباء على نسق الإنتاج في عدد من وحدات التعليب. وكانت الغرفة النقابية الوطنية لصناعة المشروبات غير الكحولية قد ربطت الاضطرابات أساساً بالارتفاع الكبير في الطلب واستنزاف جزء مهم من مخزونات الأمان لدى المؤسسات المنتجة.

هل يؤدي التسقيف إلى سوق موازية؟
التحذير الأكثر أهمية الذي يطرحه بلحاج يتعلق بالنتائج المحتملة للقرار في حال استمرار ندرة المياه المعدنية.
ففي تقديره، فإن تسقيف الأسعار في ظل «ندرة فعلية مستمرة» قد يؤدي إلى تعميق السوق الموازية للمياه المعدنية المعلبة، نتيجة ظهور فجوة بين السعر الذي تحدده سلطة الإشراف والسعر الذي يستطيع المستهلك دفعه للحصول على المنتج عندما يكون العرض أقل من الطلب.
ويحذر الخبير من إمكانية حصول اختلال بين الأسعار الرسمية المفروضة والأسعار الفعلية التي قد تظهر في بعض نقاط البيع، خصوصاً إذا لم تتم معالجة أسباب النقص في الإنتاج والتزويد.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية بالنظر إلى أن السلطات سجلت بالفعل خلال الفترة الأخيرة ممارسات مرتبطة بإخفاء كميات من المياه المعدنية والامتناع عن بيعها لبعض تجار التفصيل والتفريط فيها لتجار متجولين غير مصرح لهم بالنشاط. ففي نابل، تم في 13 أوت حجز 5427 قارورة بسبب ممارسات احتكارية وإرباك مسالك التوزيع، وفق معطيات نقلتها وسائل إعلام عن مصالح التجارة.
كما سبق أن حجزت فرق المراقبة الاقتصادية في نابل، في بداية الشهر، آلاف القوارير في إطار تدخلات استهدفت ممارسات اعتبرت احتكارية ومضاربية.
العرض والطلب.. الحلقة التي لا يعالجها القرار
وتكشف المعطيات المتوفرة أن أزمة المياه المعدنية لا ترتبط بالسعر وحده. فقد أكدت منظمة التونسية لإرشاد المستهلك أن اضطراب التزود يعكس اختلالاً ظرفياً بين العرض والطلب، بالتزامن مع ارتفاع استثنائي للاستهلاك خلال موجة الحر وتأثير اضطرابات الكهرباء على الإنتاج في عدد من وحدات التعليب.
وبالتالي، فإن تحديد سعر أقصى للبيع قد يحد من قدرة بعض التجار على رفع الأسعار، لكنه لا يؤدي في حد ذاته إلى زيادة عدد القوارير المنتجة، ولا إلى رفع طاقة وحدات التعليب، ولا إلى تحسين انتظام التزويد، وهي عناصر أساسية في معادلة العرض.
وهنا تبرز جوهر ملاحظة آرام بلحاج: إذا كانت المشكلة في ندرة المنتج، فإن معالجة السعر وحده لا تعالج الندرة.
بين حماية المستهلك وضبط السوق
من جانبها، تراهن وزارة التجارة على آلية التسقيف والرقابة والفوترة للحد من الممارسات التجارية غير القانونية وضمان بيع المياه المعدنية بأسعار محددة، خاصة في فترة تشهد فيها السوق طلباً استثنائياً.
ويمنح القرار مصالح المراقبة أدوات أوضح للتدخل، إذ أصبحت الأسعار القصوى محددة بحسب سعة القارورة، كما أصبح هامش الربح الأقصى مضبوطاً على مستويي الجملة والتفصيل.
لكن السؤال الاقتصادي الأوسع يبقى مطروحاً: هل تستطيع الرقابة على الأسعار أن تنجح إذا ظل العرض غير كافٍ؟
ففي سوق تعاني نقصاً أو اضطراباً في التزويد، قد يؤدي فرض سعر أقصى أقل من السعر الذي يوازن بين العرض والطلب إلى نتائج عكسية إذا لم تترافق السياسة السعرية مع إجراءات لزيادة الإنتاج وتحسين التوزيع ومنع الاحتكار.
معركة المياه.. السعر أم الإنتاج؟
قرار وزارة التجارة يضع سقفاً واضحاً للسعر، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً أكبر حول السياسة التي ينبغي اعتمادها في قطاع المياه المعدنية.
فالمعالجة المستدامة لا تتوقف عند مراقبة تجار التفصيل، بل تشمل تأمين انتظام الإنتاج، معالجة تأثير انقطاعات الكهرباء على وحدات التعليب، تطوير مخزونات الأمان، تحسين مسالك التوزيع ومقاومة الاحتكار والمضاربة، إلى جانب ضمان قدرة المنتجين على الاستجابة للارتفاع الموسمي في الطلب.
وفي النهاية، قد تكون معركة أسعار المياه المعدنية قد انتقلت رسمياً إلى مرحلة جديدة، لكن جوهر الأزمة، وفق قراءة آرام بلحاج، لا يوجد عند نقطة البيع وإنما في بداية السلسلة.
فإذا كان الماء موجوداً في المنبع، لكن القارورة لا تصل إلى المواطن، فإن المشكلة ليست فقط كم يدفع التونسي مقابل القارورة، بل لماذا لا تصل القارورة إليه أصلاً؟


