الرئيسيةآخر الأخبارالحكم بالسجن لمدة 16 عاماً ضد صاحب ضيعة فلاحية في ايطاليا ......

الحكم بالسجن لمدة 16 عاماً ضد صاحب ضيعة فلاحية في ايطاليا … رسالة تحذير للعمال الموسميين التونسيين

لم تعد قضايا استغلال العمال المهاجرين في القطاع الفلاحي الأوروبي مجرد حوادث معزولة، بل أصبحت تكشف عن شبكة معقدة من الانتهاكات التي تطال آلاف العمال الذين يبحثون عن لقمة العيش في ظروف قاسية، ومن بينهم تونسيون يختارون الهجرة الموسمية نحو إيطاليا للعمل في الحقول.

وفي هذا السياق، أصدرت العدالة الإيطالية يوم الأربعاء 8 جويلية حكماً بالسجن لمدة 16 عاماً ضد صاحب ضيعة فلاحية، بعد إدانته في قضية وفاة العامل الهندي ساتنام سينغ، التي تحولت إلى رمز لمعاناة العمال المهاجرين في القطاع الزراعي الإيطالي.

وكان ساتنام سينغ، البالغ من العمر 31 سنة، قد توفي سنة 2024 بعد تعرضه لحادث خطير أثناء عمله في ضيعة بمنطقة لاتينا جنوب العاصمة روما، حيث فقد ذراعه أثناء استعمال آلة لتغليف المنتجات الفلاحية لم تكن مؤمنة بالشكل المطلوب.

لكن المأساة لم تتوقف عند الحادث، إذ كشفت التحقيقات أن صاحب الضيعة أنتونيلو لوفاتو لم يقم بطلب النجدة، بل نقل العامل المصاب في شاحنته ووضع ذراعه المبتورة في صندوق للغلال، قبل أن يتركه أمام منزله حيث كانت تنتظره شريكته.

وصل ساتنام سينغ إلى المستشفى في حالة حرجة، لكنه فارق الحياة متأثراً بإصاباته.

إدانة بـ »القتل مع القصد الاحتمالي »

واعتبرت المحكمة أن صاحب الضيعة مذنب بجريمة قتل عمدي مع ما يعرف قانونياً بـ »القصد الاحتمالي »، أي أنه لم يكن بالضرورة يرغب في وفاة العامل، لكنه تصرف وهو يدرك أن أفعاله قد تؤدي إلى هذه النتيجة.

واعتبر الاتحاد العام الإيطالي للشغل الذي انضم إلى القضية كطرف مدني، أن الحكم يمثل « خطوة نحو العدالة طال انتظارها »، مؤكداً أن القضية كشفت عن نظام قائم على استغلال اليد العاملة، والتشغيل غير القانوني، والضغط على العمال وحرمانهم من حقوقهم الأساسية.

مئات الآلاف يعملون في ظروف هشة

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملفاً أوسع يتعلق بظروف العمال المهاجرين في الفلاحة الإيطالية، حيث تشير تقديرات نقابية إلى أن ما بين 200 و300 ألف عامل فلاحي معرضون لخطر العمل غير القانوني والاستغلال.

ويُعرف هذا النظام في إيطاليا باسم « الكابورالاتو »، وهو يقوم على وسطاء غير قانونيين يتولون جلب العمال، خاصة أولئك الذين يعيشون أوضاعاً هشة، سواء بسبب غياب عقود العمل أو مشاكل الإقامة.

وفي كثير من الحالات، يعمل هؤلاء العمال بأجور منخفضة ودون ضمانات اجتماعية، وهو ما دفع بعض النقابيين إلى وصف الوضع بأنه « شكل من أشكال العبودية الحديثة ».

وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، باعتبار أن آلاف التونسيين يتوجهون سنوياً إلى إيطاليا للعمل، خصوصاً في القطاع الفلاحي الموسمي.

فبينما تمثل الهجرة نحو إيطاليا فرصة لتحسين الوضع المادي بالنسبة للعديد من الشباب، فإنها قد تتحول أحياناً إلى مسار محفوف بالمخاطر عندما تتم خارج الأطر القانونية، خاصة مع انتشار شبكات تستغل حاجة المهاجرين للعمل.

وتؤكد المنظمات النقابية الإيطالية أن غياب العقود الرسمية يجعل العامل أكثر عرضة للاستغلال، لأنه يجد نفسه دون حماية قانونية أو قدرة على المطالبة بحقوقه.

الحكومة الإيطالية تحت الضغط

وبعد تزايد الانتقادات، أعلنت حكومة جورجيا ميلوني عن إجراءات جديدة لتعزيز الرقابة في القطاع الفلاحي، من بينها تكثيف عمليات التفتيش خلال فصل الصيف، والاستعانة بوسائل مراقبة حديثة.

كما أعلنت الحكومة عن برنامج لإصدار نحو 500 ألف تأشيرة عمل لغير مواطني الاتحاد الأوروبي بين 2026 و2028، من بينها أكثر من 260 ألف تأشيرة موجهة للعمل الموسمي في الفلاحة والسياحة.

لكن النقابات ترى أن الإجراءات الإدارية وحدها لا تكفي، وأن المطلوب هو تفكيك شبكات التشغيل غير القانوني التي تستفيد من ضعف العمال المهاجرين.

قضية ساتنام سينغ… أكثر من مجرد حادث شغل

وتستعد المحاكم الإيطالية للنظر في جانب آخر من القضية يتعلق باستغلال العامل وظروف تشغيله، إذ تبين أن ساتنام سينغ لم يكن يملك عقد عمل ولا وثائق إقامة، وأنه كان يتقاضى حوالي 5.50 يورو في الساعة بطريقة غير قانونية.

بالنسبة إلى مراقبين، فإن هذه القضية لا تتعلق بعامل هندي فقط، بل هي صورة عن معاناة آلاف المهاجرين الذين يقفون في الصفوف الأولى داخل الاقتصاد الأوروبي، ويقومون بأعمال شاقة يحتاجها المجتمع، لكنهم لا يحصلون دائماً على الحماية التي تضمنها القوانين.

وبالنسبة إلى العمال التونسيين الراغبين في الهجرة للعمل في أوروبا، تحمل مأساة ساتنام سينغ رسالة واضحة: العقد القانوني ليس مجرد وثيقة إدارية، بل هو خط الدفاع الأول ضد الاستغلال.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى